عن الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الجديد!

صبحي غندور*

 

أصبح من الواضح أنّ إدارة الرئيس بوش تريد في عهدها الثاني التوظيف السياسي والأمني والاقتصادي لما قامت به الإدارة في المجال العسكري بعهدها الأوّل، والذي ما زال مستمرّاً على أرض الشرق الأوسط في بلدان عديدة.

 

فالحرب على أفغانستان في نهاية العام 2001 ثمّ الحرب على العراق في مطلع العام 2003، وما رافق هاتين الحربين من انتشار عسكري أميركي في محيط دول الشرق الأوسط، وإقامة قواعد في بعضها، كانت وما زالت أعمالاً عسكرية من أجل خدمة رؤية سياسية لها مضامين أمنية واقتصادية.

 

ولعلّ أبرز هذه المضامين، بالرؤية الأميركية للشرق الأوسط الجديد، ضمان التحكّم مستقبلاً في منابع النفط كأحد أهمّ مصادر الطاقة الدولية لعقود عديدة قادمة، خاصّة وأنّ المنافسين الجدد للقطب الدولي الأوحد الآن يعتمدون في نموّ اقتصادهم على نفط الشرق الأوسط.

 

ولأنّ التواجد العسكري الأميركي في المنطقة لا يكفي وحده من أجل تحقيق الرؤية الأميركية المستقبلية للشرق الأوسط، فإنّ عناصر ثلاثة يتوجّب توفّرها بشكل متلازم مع  الوجودين العسكري والأمني:

 

1-     تغيير التركيبة السياسية القائمة الآن في معظم دول العالم الإسلامي لتصبح مبنيّةً على مزيج من آليات ديمقراطية وفيدراليات إثنية أو طائفية.

 فالديمقراطية لو تحقّقت، دون التركيبة الفيدرالية (التي ستكون حصيلة تعزيز المشاعر الانقسامية في المجتمع الواحد)، يمكن أن توجد أنظمة وحكومات تختلف مع الإرادة أو الرؤية الأميركية، كما جرى مع بعض بلدان أوروبا الغربية أو مع الحكومة التركية بشأن العراق.

أيضاً، فإن إثارة الانقسامات الإثنية أو الطائفية، دون توافر سياق ديمقراطي ضابط لها في إطار من الصيغة الفيدرالية، يمكن أن يجعلها سبب صراعٍ مستمر يمنع الاستقرار السياسي والاقتصادي المنشود بالرؤية الأميركية، ويجعل القوات الأميركية المتواجدة بالمنطقة عرضةً للخطر الأمني المستمر في ظلّ حروب أهلية مفتوحة.

إضافةً إلى أنّ التركيبة الفيدرالية القائمة على آليات ديمقراطية ستسمح للولايات المتحدة بالتدخّل الدائم مع القطاعات المختلفة في داخل كلّ جزء من ناحية، وبين الأجزاء المتحدة فيدرالياً من ناحية أخرى.

 

2-     التركيز على هوية شرق أوسطية كإطار جامع للفيدراليات المتعددة المنشودة في بلدان المنطقة العربية والعالم الإسلامي، إذ أنّ العمل تحت مظلّة "الجامعة العربية" أو "المؤتمر الإسلامي" يمكن أن يؤدّي مستقبلاً إلى ما ليس مرغوباً به أميركياً من نشوء تكتلات كبرى متجانسة ذات مضامين ثقافية متباينة مع الرؤية الأميركية، كما حدث ويحدث في تجربة الاتحاد الأوروبي، رغم وجود القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، ورغم وجود حلف الأطلسي والانتماء المشترك لحضارة غربية واحدة.

 

        لهذا يدخل العامل الإسرائيلي كعنصر مهم في الشرق الأوسط الكبير المنشود، إذ بحضوره الفاعل، تغيب الهويّتان العربية والإسلامية عن أيِّ تكتّل إقليمي محدود أو شامل.

 

3-     العنصر الثالث المهم، في هذه الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الجديد، يقوم على ضرورة إنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي من خلال إعطاء الأولوية لتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وقبل تحقيق التسوية الشاملة التي تتطلّب حسب المنظور الأميركي سنوات عديدة. وتجد الإدارة الأميركية أنّ تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية سيدفع الأطراف كلّها إلى التسوية والقبول بحدود دنيا من المطالب والشروط، كما أنّه سيسهّل إنهاء الصراعات المسلّحة حتى من غير تسويات سياسية شاملة، وسيساعد على وقف أيّ أعمال مسلّحة في المنطقة، سواء أكانت تحت شعار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي أم ضدّ التواجد العسكري الأميركي في المنطقة. فالرعاية الأميركية لإنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي من شأنها أن تجعل التواجد العسكري الأميركي، ولو بأشكال محدودة، أمراً مطلوباً وليس فقط مقبولاً، كما هو الحال في الصيغ المطروحة لمستقبل الضفّة الغربية وغزّة.

***

 

إذن، كخلاصة لما يمكن أن تكون عليه الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الكبير الجديد، فإنّ واشنطن تريد ديمقراطيات سياسية في المنطقة لكن ليس إلى حدّ الاستقلال عن القرار الأميركي. واشنطن تريد صراعات سياسية محلية قائمة على انقسامات إثنية أو طائفية، لكن ليس إلى حدّ الحروب الأهلية المفتوحة. واشنطن تريد صيغاً فيدرالية جامعة لأجزاء في كلّ وطن، لكن ليس إلى حدّ الانصهار الوطني الكامل. واشنطن تريد إنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي، لكن ليس إلى حدّ التعامل مع القضايا النهائية الشائكة وتحقيق التسويات الشاملة الآن. واشنطن تريد التواجد العسكري والأمني في بلدان المنطقة، ولكن ليس إلى حدّ التورّط بأوضاع حروب داخلية استنزافية أو الاضطرار لإبقاء قوات كبيرة العدد إلى أمد مفتوح.

***

 

ولعلّ ملامح هذه الرؤية تفسّر المواقف الأميركية الآن من عدّة حكومات وقضايا عربية. فالعراق والسودان مثلاً يسيران على النموذج الديمقراطي/الفيدرالي المرغوب أميركياً. أمّا سوريا ولبنان، فإنّ هناك تطوّرات تحدث فيهما، قد تدفع باتجاه العناصر الثلاثة الكامنة في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط.

 

وأعتقد أنّ واشنطن ستواصل ضغوطها الراهنة على الحكم السوري، إلى حين الانتهاء من مسألة الانسحاب الإسرائيلي من غزّة وتفاعلاته داخل إسرائيل، من أجل دراسة إمكان استئناف المفاوضات السورية/الإسرائيلية، التي ستقرّر لاحقاً واشنطن حدوثها أم عدمه تبعاً لمدى تجاوب الحكم السوري خلال الفترة الراهنة مع المطالب الأميركية الشاملة لجبهات عديدة، بما في ذلك الجبهة الداخلية السورية.

 

لكن من المهم الإشارة إلى أنّ الضغوط الأميركية على دول المنطقة العربية والعالم الإسلامي لا تحصل الآن من أجل تنفيذ مضامين الرؤية الأميركية دفعة واحدة في كلّ البلدان، أو بشكل أولويات واحدة يتمّ تطبيقها على الكلّ .. فهناك اختلاف في الظروف تتباين على أساسها الأولويات، بحيث تكون الضغوط الآن على بلد أو أكثر من أجل التطبيع مع إسرائيل (مثل الضغوط التي تمارس الآن على دول الخليج العربي)، بينما تكون الضغوط على بلدٍ آخر أو مجموعة أخرى من أجل المسألة الديمقراطية/الفيدرالية (كما يحدث حالياً مع الحكم في مصر)، أو الضغط على أطراف أخرى لتسهيل عملية إنهاء الصراع مع إسرائيل ووقف الأعمال المسلّحة (كحال الضغوط على إيران وسورية مثلاً).

* * *

 

حتى الآن، فإنّ المنطقة العربية تحديداً هي في حال الطرف المُسيَّر لا المُخيَّر، وهي بمجموعها المتشرذم وبأجزائها المنقسمة داخلياً، والمعطوبة سياسياً، فإنها عاجزة عن تقديم رؤية عربية بديلة لمستقبل المنطقة.

وفي ظلٍّ هذا الفراغ العربي، والأحادية القطبية الأميركية، تسير الرؤية الأميركية للمنطقة قُدُماً إلى الأمام ..!!

 

15/5/2005

                                        *مدير "مركز الحوار" في واشنطن

                                        alhewar@alhewar.com