أشهر صعبة.. لكنّها عابرة

صبحي غندور*

 

ستكون القمّة العربية في دمشق خير مثال على صعوبة الفترة التي تمرّ بها المنطقة العربية وأزماتها المتفجّرة في أكثر من مكان. فما هو مرجوٌّ من تضامن عربي في القمّة سيكون محفوفاً بمخاطر وصول الصراعات العربية إلى قمّتها. وقد يبدو للبعض وكأنّ ملفّ الأزمة اللبنانية هو الملف الأكثر تعقيداً والمسؤول عن عدم التوافق المنشود بين الحكّام العرب، بينما واقع الحال هو غير ذلك تماماً. فالخلافات العربية القائمة الآن إنّما أساسها الموقف الأميركي الرافض لتسويات جذرية شاملة لأزمات متشابكة في الشرق الأوسط، فضلاً عن استمرار إدارة بوش في نهجها الساعي لعزل إيران وسوريا وإضعافهما من خلال تحجيم ونزع سلاح كلٍّ من حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان.

فقد كانت مراهنة إدارة بوش بعد غزوها للعراق أنّ ذلك سيؤدّي إلى انهيار الأوضاع في كلٍّ من إيران وسوريا، أو سيؤدّي في الحدّ الأدنى إلى انهيار ركب النظام الحاكم، كما حدث مع النظام الليبي وإسراعه لعقد صفقة تضمن عدم التعرّض له وإقامة علاقات معه مقابل التخلّي عن سياساتٍ وبرامج ومواقف.

لكن المقارنة بين أوضاع ليبيا وحكمها وموقعها الجغرافي، وبين ما هو الحال عليه في إيران وسوريا وعمق تأثيرهما الهام في العراق ولبنان وفلسطين، لم تكن طبعاً سليمة. فعوضاً عن حدوث انهيارات في أنظمة وحكومات، كما توقّعت واشنطن، انهار المشروع الأميركي في العراق وفي المنطقة وتحوّل الأمر من ضغوط أميركية لتغيير حكومات، إلى ضغوط لتغيير سلوك ومواقف!.

وهاهي المنطقة العربية الآن تدفع ثمن هذه المرحلة التي تشتدّ فيها الضغوط السياسية المهدّدة بحالة انفجارات عسكرية وأمنية شاملة، وفي أكثر من جبهة.

ولكي تكون الأمور أكثر وضوحاً، فإنّ الذي يعيق التوصّل إلى تسويات شاملة لأزمات المنطقة، ويحول دون تحقيق التضامن العربي الفعّال على أعلى المستويات، هو الإدارة الأميركية التي رفضت الأخذ بتوصيات لجنة بيكر/هاملتون في نهاية العام 2006، واستمرّت في نهجها التصعيدي رغم ما آلت إليه سياستها في العراق وفي عموم المنطقة من تراجع وانحسار.

واقع الحال الآن أنّ إدارة بوش لا تقدر على فرض الحلول لكنّها قادرة على إعاقة أي حلٍّ لا توافق عليه، والأمر شبيه بما يحدث في مجلس الأمن حينما تلجأ واشنطن إلى استخدام حقّ النقض (الفيتو) إذا لم يأخذ المجلس بمشروعها.

فواشنطن اعترضت على المبادرة العربية بشأن لبنان، كما تحفّظت في السابق على المبادرة الفرنسية التي حاولت التنسيق مع دمشق، وتعذّر بالتالي التوصّل إلى تسوية للأزمة السياسية اللبنانية.

أيضاً، انتقدت إدارة بوش اتفاق مكّة، الذي رعته حكومة الرياض، بين حركتي "فتح" و"حماس" ولم تجد لها أو لإسرائيل مصلحة في تنفيذه وفي وقف الصراعات الفلسطينية وفي مشاركة "حماس" بالسلطة الوطنية، فانهار الاتفاق وحصل ما حصل في غزّة فيما بعد.

فحلول واشنطن لأزمات لبنان وفلسطين تشترط التخلّي عن نهج المقاومة ضدّ إسرائيل، وهذا ما كان صريحاً في مطالبة إدارة بوش لحركة حماس بالاعتراف بإسرائيل ونبذ أسلوب المقاومة ضدّ الاحتلال، كما هو أيضاً الموقف الأميركي في لبنان المستند على قرار مجلس الأمن 1559 للعام 2004 والذي اعتبر سلاح المقاومة اللبنانية ميليشيا يجب إزالتها.

إذن، إدارة بوش ليست الآن في موقع تفاوضي مع الأطراف العربية والإقليمية المستمرّة في دعمها لنهج المقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، كما أنّها ما تزال في حالة "حرب باردة" مع إيران بشأن ملفها النووي ودورها في العراق، وهذا الأمر يعني صعوبة التوصّل الآن إلى تسويات سياسية لأزمات معنيّ بها كلّ من واشنطن وطهران ودمشق.

هذه المسائل كلّها ستجعل من القمّة العربية في دمشق ساحة تبادل لآراء وخطب ومواقف، لا مصنعاً لحلول سياسية أو منطلقاً لتضامن عربي جاد وفعّال. فتعطيل إدارة بوش للمصالحات الوطنية الحقيقية في لبنان وفلسطين يعني أيضاً تعطيلاً للمصالحة العربية الشاملة.

كذلك، فإنّ عدم التزام إدارة بوش بتوصيات بيكر/هاملتون لجهة إقامة مؤتمر دولي شامل للصراع العربي/الإسرائيلي وللتفاوض المباشر مع طهران ودمشق، سيدفع بالمنطقة إلى مزيد من الصراعات في شريط يمتدّ من غزّة إلى طهران مروراً بدمشق وبيروت وبغداد.

ربّما لا يجد الرئيس الأميركي مشكلة في كل ذلك وإدارته هي في سنتها الأخيرة، حيث لا يضمن مجيء رئيس جمهوري يكمل أجندة الإدارة الحالية، وبالتالي ستكون هناك سلّة أزمات دولية أمام رئيس ديمقراطي جديد عليه التعامل معها ومع ما هو عليه أيضاً حال الاقتصاد الأميركي والمشاكل الاجتماعية الأخرى في الولايات المتحدة.

إنّ الشيء الوحيد الذي أجمعت عليه الحكومات العربية في قممها الأخيرة كان المبادرة العربية للسلام وما تضمنته من استعداد للاعتراف بإسرائيل وإقامة معاهدات وعلاقات معها مقابل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتلّت عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية.

لكن التوافق الحكومي العربي على هذه المبادرة كان توافقاً على الغاية لا على الأسلوب أيضاً. فكيف يمكن تطبيق هذه المبادرة ثمّ ما البديل عنها في حال رفض إسرائيل لها؟ (وهذا ما حدث منذ إطلاق المبادرة عام 2002 في قمّة بيروت). أي هل ستقرّر الحكومات العربية إستراتيجية شبيهة بقمّة الخرطوم عام 1967 التي أدّت إلى حرب أكتوبر عام 1973؟ أو هل ستتضامن في الحدّ الأدنى كل الحكومات العربية مع حركات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي؟ وكيف سينعكس ذلك على السلطة الفلسطينية وهي الآن في موقع المفاوض الرافض للمقاومة؟! ثمّ كيف يجب التعامل مع هذا الأمر لبنانيّاً وسوريّاً حيث هناك أرضٍ لبنانية وسوريّة محتلّة ولم تحصل بعد اتفاقات مع إسرائيل كما جرى على الجبهات المصرية والأردنية ومع منظمة التحرير الفلسطينية؟!

هي تساؤلات مهمّة لأنّ الاتفاق على مبادرة السلام دون التوافق أيضاً على بديل لها يفتح المنطقة أمام صراعات بين العرب أنفسهم، وهذا ما نشهده الآن من اختلاف بين نهجين عربيين أحدهما تدعمه واشنطن والآخر طهران!

إنّ الجسم العربي تنخره الصراعات على المستويين الوطني والقومي ولا يصحّ فيه اتّباع سياسة "حسيبك للزمن" لأنّ مراهنات خصوم الأمّة هي على الزمن نفسه، تماماً كما تفعل إسرائيل في مسألتي القدس والمستوطنات وكما هي سياستها في التشجيع على الصراعات الأهلية العربية.

فإذا لم يحصل تحوّل جذري إيجابي في واقع الخلافات العربية (وهو أمر مستبعد الآن)، وإذا لم تقم إدارة بوش بخطايا مغامرات عسكرية جديدة في المنطقة (وهو أمر محتمل الآن)، فإنّ الخيار المشترك يبقى بالنسبة لكل الأطراف المعنيّة بصراعات المنطقة هو "إدارة الأزمات" القائمة ومنع وصولها إلى حدّ التفجير، كما هو ممنوعٌ وصولها إلى حدّ الحلول، بانتظار ربيع العام القادم وما قد تسفر عنه الانتخابات الأميركية التي ستؤدّي حتماً إلى تأثيرات كبرى على مصائر أزمات وشعوب وأوطان.

 

 24/3/2008

 

* مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

alhewar@alhewar.com