ملاحظات أوّلية على "اتفاق الدوحة" اللبناني

 

       نجحت قيادة قطر في الإمساك بخيوط الأزمة اللبنانية وما فيها من تعقيدات إقليمية ودولية، واستطاعت الحكومة القطرية، بمشاركة أمين عام الجامعة العربية والوفد العربي، نسج "ثوب الحل" بعدما تعذّر حدوث ذلك في السابق على أيدي أطراف عربية ودولية.

 

       الاتفاق، والرعاية القطرية له، وما لقطر من علاقات جيّدة مع أطراف إقليمية ودولية معنيّة بالأزمة اللبنانية، هو بالنتيجة تعبير عن قناعة هذه الأطراف بأنّ المفاوضات هي الآن الأسلوب الأفضل لحلّ الأزمات، وبأنّ المراهنة على التصعيد تحمل مخاطر كبيرة لا يضمن أحد نتائجها. أيضاً، الاتفاق هو الآن بمثابة ضوابط لخلافات لبنانية محلّية، وخلافات عربية/إقليمية/دولية، وهذا يعني أنّ الخلافات ما زالت قائمة بين هذه الأطراف لكن جرى وضع سقف لها في الملف اللبناني تحديداً بعد التطوّرات التصعيدية الأخيرة التي جرت في الأسبوع الأول من هذا الشهر.

 

       الاتفاق تضمّن ثلاثة بنود أساسية كان يمكن حصولها منذ أكثر من سنة، أي تحديداً بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان والمقاومة في صيف العام 2006 حينما طالبت المعارضة بالمشاركة في صنع القرار السياسي من خلال ما يُعرَف بالثلث الضامن، وهذا ما حصل الآن في اتفاق الدوحة، بعدما جرت مراجعة الحسابات السياسية والأمنية، عقب التطوّرات الأخيرة في لبنان، لدى الأطراف المحلية والخارجية التي كانت ترفض إعطاء المعارضة حق "الثلث الضامن".

أما التوافق على ترشيح العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية فكان حاصلاً منذ 6 أشهر، لكن الموالاة (ومن يقف خلفها) كانت تصّر على حدوث انتخابات الرئاسة بلا ضمانات للمعارضة  بالمشاركة في صنع القرار السياسي.

 

       "اتفاق الدوحة" هو فعلاً تأكيد لمقولة "لا غالب ولا مغلوب" فقط من الناحية الدستورية ومن حيث التركيبة الطائفية والمذهبية للنظام السياسي اللبناني، لكن هناك "غالب ومغلوب" سياسياً ووطنياً. فهناك سياسياً انكسار لنهج سارت عليه الموالاة وحكومة السنيورة منذ سنة ونصف، بدعم خارجي كبير، وهناك أيضاً انكسار لنهج التدويل الذي كان يرافق التطورات الأخيرة، وهناك انكسار للعاملين من أجل فتنة طائفية ومذهبية، وهناك انكسار لمن راهنوا على صدام الجيش مع المقاومة ولمن كانوا يريدون تحقيق أهداف سياسية عجزت إسرائيل عن تحقيقها في حرب 2006.

لكن كل هذه الإنكسارات "الإيجابية" يرافقها أيضاً انكسار "سلبي" من الناحية الوطنية، يتمثّل في إعطاء شحنة جديدة للبناء الطائفي اللاوطني الذي قام عليه لبنان منذ استقلاله والذي كان أكثر من مرّة سبباً لأزمات داخلية ولتدخّلات خارجية. فاتفاق الدوحة ينتصر للوطن اللبناني لكنّه لا ينتصر للمواطنة اللبنانية، بل ويجدّد الدم للصيغ الطائفية والمناطقية ولزعامات سياسية تستفيد من هذا العطب الداخلي وتتوارثه جيلاً بعد جيل.

 

       اتفاق الدوحة تعامل مع أزمة داخلية لبنانية فرضتها أوضاع أقليمية ودولية لكن لم يتضمن الاتفاق تفاهمات على برنامج سياسي وطني مشترك يحدد الموقف بوضوح من مسائل مهمة كانت هي أصلاً مسؤولة عن الإنحدار الأمني والسياسي في لبنان. لذلك جاء الاتفاق على آليات وحصص في المؤسستين التنفيذية والتشريعية لكن في ظل الانقسام السياسي والوطني حول قضايا مهمة تتعلق بالمقاومة وبعلاقات لبنان مع دمشق وواشنطن، وفي ظل المناخ السلبي الذي ما زال قائماً بين عواصم عربية معنية بتطورات لبنان، كما أيضاً المناخ السلبي المستمر بين واشنطن وبين طهران ودمشق.

 

       إنّ اتفاق الدوحة هو نهاية لحقبة زمنية عمرها 4 سنوات بدأت صيف عام 2004 باتفاق بوش/شيراك على موقف مشترك تجاه لبنان وسوريا، والذي جرى التعبير عنه في القرار 1559، وذلك قبل التجديد للرئيس إميل لحود وقبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وقد نجح صُنّاع القرار 1559 في الشقّ الأول منه بإخراج القوات السورية من لبنان في العام 2005، وفشلوا عسكرياً صيف عام 2006 في الشقّ الثاني منه، كما فشلوا سياسياً في مرحلة ما بعد 2006، وبالنتائج التي أسفر عنها اتفاق الدوحة.

وستكون المرحلة المقبلة في لبنان تعبيراً عن هذا التطوّر السياسي الهام، حيث سيجتمع فيها وجود العماد ميشال سليمان على رأس الجمهورية مع توافق سياسي على عدم التعرّض لسلاح المقاومة بانتظار نتائج تطوّرات إقليمية لم يعد أمام الدول المعنية فيها خيار أفضل من خيار المفاوضات، وبناء تسويات خاضعة لحسابات الواقع لا الطموحات لدى أي طرف!.

 

       لن تكون مصادفة زمنية أن تحصل جلسة انتخاب الرئيس الجديد يوم الأحد 25 أيار/مايو. فهذا التاريخ هو الذكرى الثامنة لتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي. وفي الجمع بين المناسبتين تأكيد جديد على التلازم المطلوب بين تحرير لبنان وبين وحدته واستقراره، وعلى التنسيق الواجب بين الجيش والمقاومة، وعلى الدور الهام الذي قام ويقوم به العماد ميشال سليمان والجيش اللبناني في خدمة الوطن والمواطن معاً.

صبحي غندور

21/5/2008