ملاحظات على شريط أسامة بن لادن

ربما من الصعب الحسم بكيفية تأثير الشريط الأخير لأسامة بن لادن على الانتخابات الأميركية القادمة، لكن يمكن التوقف على بعض النقاط التي وردت في هذا الشريط.

فأسامة بن لادن أعتبر أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 هو الذي جعله يقرر ضرب الأبراج في أميركا.. لكن لماذا لم يبادر بن لادن آنذاك إلى التوجه للبنان ومقاتلة الإسرائيليين بدلاً من الذهاب لأفغانستان حيث أمضى حقبة الثمانينات مع عدد من أنصاره في مقاتلة الجيش الروسي بالتعاون مع المخابرات الأميركية؟

ثم لماذا أنتظر بن لادن حتى العام 2001 (أي بعد أكثر من 20 سنة من غزو بيروت) لكي يتحدث عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، إذ أن كل تصريحاته في حقبة الثمانينات كانت عن أفغانستان ثم في التسعينات كانت فقط عن الدعوة لخروج القوات الأميركية من الأراضي السعودية، ولم تكن القضية الفلسطينية في أي من اهتماماته المعلنة؟

 لماذا لم يجمع بن لادن الأنصار والأموال لمقاتلة إسرائيل في الثمانينات والتسعينات؟

لقد تحدث أسامة بن لادن في شريطه الأخير عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 لكنه لم يتحدث عن كيف نجحت تجربة المقاومة اللبنانية في تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي وأيضاً في اختراق الحملات الإسرائيلية المتكرّرة في الغرب التي ادَّعت أنَّ المقاومة ضدَّ الاحتلال هي حركة إرهابية، حيث حرصت المقاومة اللبنانية على حصر عملياتها في الأراضي اللبنانية المحتلة وضدَّ الجيش الإسرائيلي المحتل وعملائه. وكانت هذه الاستراتيجية الناجحة للمقاومة اللبنانية هي وراء الضغوط الشعبية الإسرائيلية الداخلية المتكرّرة على الحكومات الإسرائيلية لإنهاء احتلال لبنان. وكان لانتصار المقاومة اللبنانية صدًى واسع في العالمين العربي والإسلامي، كما كان عامل تشجيع لإعادة إطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد أن وأدت تداعيات مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

يا ليت أسامة بن لادن وأنصاره قد تعلموا من هذه التجربة في مقاتلة إسرائيل أو حتى من تجربة فيتنام في مقاتلتها للقوات العسكرية الأميركية التي غزت أراضيها.. حيت حرصت المقاومة الفيتنامية أيضاً على حصر القتال ضد العسكريين الأميركيين على الأرض الفيتنامية، وبذلك نجحت وانتصرت.

قال بن لادن: " قاتلنا أميركا".. بينما هو في الحقيقة قاتل عسكرياً مع أميركا في أفغانستان ثم قتل مدنيين أميركيين (ومئات من جنسيات أخرى بينهم مسلمين وعرب) في تفجير الطائرات المدنية في أميركا.. أي قتال تم في هذه الهجمات حتى يمكن لأبن لادن القول انه "قاتل" أميركا.. كان ذلك "قتلاً" لمدنيين ولم يكن "قتالاً" يستحق الفخر به باسم الإسلام.

أسامة بن لادن لم يقاتل سياسة إدارة بوش في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، العكس هو الصحيح، فقد أدت هجمات نيويورك وواشنطن إلى خدمة الإدارة الأميركية في الداخل الأميركي وفي القضايا الخارجية.

هجمات سبتمبر 2001 أعطت شرعية شعبية أميركية لإدارة بوش بعدما تعذر ذلك في انتخابات عام 2000، كما أعطت هذه الهجمات الأعذار لإدارة بوش في شن الحرب على أفغانستان والعراق وربما أماكن أخرى في حال تجديد الأميركيين لهذه الادارة.

هجمات سبتمبر 2001 صرفت الأنظار عن القضية الفلسطينية وجعلت أي مقاومة عسكرية للاحتلال الإسرائيلي بمثابة عمل إرهابي.

وتعمل إسرائيل منذ 11 سبتمبر 2001 على استغلال الهجمات الإرهابية التي وقعت في أميركا، من أجل خدمة عدَّة غاياتٍ تحاول تحقيقها منذ مطلع التسعينات:

فقد سعت إسرائيل، و"جماعاتها" المتعدّدة في الأوساط الغربية، إلى إقناع الرأي العام الغربي، أن عدوَّه الجديد هو العالم الإسلامي، وبأنَّ هذا "العدو" يحمل مخاطر أمنية وسياسية وثقافية، تماماً كما كان الحال مع العدو السابق، الشيوعية.

وقد نجحت إسرائيل في السنوات الماضية في تشويه صورة الإسلام في العديد من وسائل الإعلام الغربية، وفي إعطاء "نماذج" بشعة عن المجتمعات الإسلامية، وفي التركيز على ظواهر سلبية في العالم الإسلامي من أجل بناء ملامح صورة "العدو الجديد" للغرب.

فإذا بأحداث 11 سبتمبر، كحلم إسرائيلي يتحقق، وليشكِّل بذلك أفضل فرصة لتحقيق الغايات الإسرائيلية في الشرق الأوسط وفي العالم.

مئات الألوف من الأفغان والعراقيين والفلسطينيين سقطوا قتلى وجرحى في السنوات الماضية ضحية هذا الاستغلال الكبير لهجمات سبتمبر التي اكد بن لادن مسؤؤليته عنها بفخر واعتزاز!!

فالتصريحات المتتالية من أسامة بن لادن وجماعته، منذ 11 سبتمبر 2001، وحتى قبل بدء الحرب على أفغانستان، باركت كلّها العمل الإرهابي الذي حصل في أميركا واعتبرت أنَّ من قاموا به هم شهداء ومثواهم الجنَّة !!

إدارة بوش حاولت الاستفادة لأقصى الحدود من أحداث يومٍ واحدٍ ضدَّها لصناعة تاريخ من الأحداث لصالحها !

 

صبحي غندور

 

 

الجمعة 29/10/2004