خواطر حول محاكمة صدام حسين:

 محاكمة للسجان والسجين معاً!

 

·      هذه هي المرّة الأولى في تاريخ العراق الحديث (وربما كل المنطقة العربية) التي تتمّ فيها محاكمة رئيس سابق. فالرؤساء السابقون هم رؤساء يرحلون عن الحياة وعن السلطة في وقتٍ واحد .. هكذا وصل نظام صدام حسين للحكم، بانقلاب عسكري عام 1968 أطاح بالنظام السابق وقياداته وقتل معظم عناصره .. وهكذا أيضاً كانت وسيلة النظام الأسبق للبعث في الوصول للحكم .. وهكذا كانت وسيلة عبد الكريم قاسم.. وصولاً إلى عهد الملكية في العراق حيث لا رئاسة ولا رئيس سابق بل أيضاً ملك يحكم حتى موعد الرحيل عن الحكم والحياة معاً.

 

·      رغم أنّ ما يحدث الآن هو استجوابات قضائية تمهيداً للمحاكمة فيما بعد (أي إعلان لوائح الاتهام التي على أساسها ستتمّ المحاكمة لاحقاً) فإنّه كان من الأفضل تأجيل هذه الإجراءات القضائية والقانونية لما بعد إجراءات الانتخابات العامة في العراق وتشكيل حكومة وطنية شرعية عراقية وإقرار دستور جديد، بحيث تجري آنذاك محاكمة النظام السابق في ظلِّ حكومة شرعية وتكون إجراءات المحاكمة عندها مشروعة وقانونية.

 

·      للأسف، فإنّ هذه المحاكمة تتمّ في ظلّ الاحتلال الأجنبي .. وحبّذا لو أنّها جرت حصيلة انتفاضة شعبية عراقية دون تدخّل أجنبي أو احتلال عسكري لتغيير النظام.

 

·      المحاكمة هي الآن للماضي والحاضر معاً .. لماضي النظام السابق وحاضر الاحتلال الأميركي وإفرازاته.

 

·      حبّذا لو كانت عناصر الاتهام للرئيس العراقي السابق، تتضمّن كبند أوّل: "المسؤولية عن وقوع العراق تحت الاحتلال وعن إعطاء كلّ الأعذار للتدخّل الأجنبي".

أيضاً، حبذا لو يحاكم النظام السابق عن مسؤوليته عن السقوط العسكري السهل لبغداد عام 2003، وكيف اختفت كل قيادات النظام بين ليلة وضحاها؟

 

·      حبّذا لو يحاكَم السجّان الأميركي والسجين معاً فكلاهما مسؤولان عمّا آل الآن إليه وضع العراق.

 

·      حبّذا لو تسأل المحكمة العراقية صدام حسين عن تفاصيل علاقاته مع المخابرات الأميركية أيام حكم عبد الكريم قاسم وكيف ساعدت المخابرات الأميركية حزب البعث وصدام حسين من أجل التخلّص من عبد الكريم قاسم وحكمه الذي كان مدعوماً من موسكو، وفي فترة الصراع الساخن بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي.

 

·      حبّذا لو تسأل المحكمة العراقية صدام حسين عن علاقاته الخاصّة مع أميركا أيام الرئيس الأميركي ريغان وعن اللقاءات الخاصّة مع رامسفيلد آنذاك وعن الدعم الأميركي الكبير لنظام بغداد في حربه ضدّ إيران.

 

·      جورج بوش يريد الآن من توقيت المحاكمة البراءة لنفسه أمام الشعب الأميركي بعد مقتل وإصابة الآلاف من الأميركيين هناك، وبعد تضليل الشعب الأميركي بشأن مبرّرات حربه على العراق ..

أمّا صدام حسين فسيسعى لتبرئة نفسه أمام الشعب العراقي وعموم الشعوب العربية من مسؤوليته عن مقتل مئات الألوف من العراقيين في تصفيات معارضات الداخل، وفي حروب صدام حسين مع الجوار العربي والإسلامي، بل وحتى في تصفية العشرات من القيادات الفلسطينية واللبنانية والسورية التي كانت تعارض حزب البعث العراقي وفروع منظماته المسلّحة في المشرق العربي.

 

 

·      تُرى .. لو قام الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب بتسليم الجنرال نورييغا للحكومة البانامية التي جاءت عقب غزو القوات الأميركية لباناما في مطلع التسعينات .. هل كانت محاكمته ستختلف عن محاكمة صدام حسين الآن في العراق؟

نورييغا كان حاكماً لباناما وجاء إلى الحكم بانقلاب عسكري، وكان مدعوماً من المخابرات الأميركية إلى حين اغتراره بسلطته ورفضه تجديد الاتفاق مع أميركا بشأن استخدام قناة باناما المائية الاستراتيجية بالنسبة لأميركا، فكان مصيره الاعتقال على أيدي القوات الأميركية التي غزت باناما وأسقطت حكمه واعتقلته وهو الآن في أحد السجون الفدرالية الأميركية ..

 

فلِمَ لا يطالب العالم اليوم بمحاكمة دولية عادلة للجنرال نورييغا، ولِمَ لا يتضامن العالم اليوم مع حقّ شعب باناما بالسيادة وحقّ تقرير المصير لنفسه ولحاكمه السابق؟!

 

·      كم هو مؤسف أن نسمع أو نشاهد من يتحدّث عن إيجابيات محاكمة صدام حسين (السجين) ولا يتحدّث عن سلبيات السجّان الأميركي؟! وكم هو مؤسف ومؤلم أيضاً أن نسمع أو نشاهد من يتحدّث ضدّ المحاكمة من منطلق الدفاع عن صدام حسين وتاريخه السياسي بل ووصفه بالمناضل البطل وبرمز العروبة!!... وهو الذي فرّط في سيادة العراق وثرواته وبنى لنفسه ولعائلته القصور والأمجاد الشخصية والثروات الخاصّة بينما شعبه كان يعاني الحصار والمرض والجوع ..

 

الحرب الأميركية على العراق لم تكن بين خيرٍ وشرّ، بل كانت عدواناً أميركياً وغزواً وأسلوباً باطلاً على بلد حكمه بالباطل من قام بدوره بعدوانٍ على شعبه وجيرانه.

وما يُبنى على خطأ لا يمكن أن يؤدّي إلى نتائج صحيحة ..  هذه الحرب بُنيت على خطايا الماضي والحاضر معاً.

 

 

 

        1 تموز/يوليو 2004

صبحي غندور

Email: alhewar@alhewar.com