نحو تفعيل العمل العربي في الولايات المتحدة الأمريكية

 

مقـدمــة

 

        يكتسب دور الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة أهمية قصوى في اللحظة السياسية الراهنة بعد أن تحولت إدارة بوش إلى استراتيجية هجومية للهيمنة على الوطن العربي، تنشد السيطرة المباشرة عبر احتلالها للعراق. ولم تعد معركة العرب الأمريكيين مقتصرة على إسداء النصح والإرشاد أو توجيه الانتقادات الخجولة للسياسة الأمريكية المنحازة للمشروع الصهيوني، الوكيل في العالم العربي. بل أضحى في صلب عملها الانخراط الجدي مع تيار ناهض داخل الولايات المتحدة يسعى لمواجهة دولة الحرب والأمن القومي التي تزرع الدمار في الخارج وتطيح بالحريات في الداخل. وفي ظل الممانعة العالمية في أطراف الإمبراطورية الأمريكية الجديدة وداخل الوطن العربي ترتدي مهمة الممانعة والمجابهة في المركز أولوية عاجلة، ولن ترتدع زمرة المحافظين الجدد عن مشروعها الإمبراطوري لقرن أمريكي جديد من الهيمنة المطلقة في العالم إلا بتبلور تيار واسع وناشط داخل الولايات المتحدة ينقذ الشعب الأمريكي والعالم من خطر تفشي وتمادي أصحاب النزعة العسكرية والدكتاتورية القمعية الذين اختطفوا أمريكا وصادروا المخزون الإيجابي للتجربة الدستورية الأمريكية، ويتم استهداف العرب والمسلمين في هذه الحرب المجنونة التي تتستر بشعار محاربة "الإرهاب"، وبدل أن يتبنى العرب والمسلمون حملة التصدي للدفاع عن حقوقهم المكفولة دستورياً، تتفشى مظاهر العجز والشلل والخوف والانكفاء في صفوفهم مع غياب للقيادات المبادرة والمنظمات الفاعلة.

 وتهدف هذه الورقة إلى إجراء مراجعة نقدية وتقييم أولي لما وصلت إليه أوضاع الجالية وتقديم توجيهات ومقترحات تساهم في تفعيل الحضور السياسي والإعلامي للجاليات العربية والإسلامية في هذه المرحلة المصيرية.

 

 

 

لمحة سريعة عن التنوع الديمغرافي للعرب والمسلمين في أمريكا:

 

        يشير الإحصاء الأمريكي الأخير في عام 2000، وهو إحصاء تجريه الولايات المتحدة الأمريكية كل عشرة سنوات إلى أن عدد العرب الأمريكيين لا يتجاوز 1.25 مليون نسمة، لكن تقديرات بعض المنظمات العربية-الأمريكية تضع العدد التقريبي بحوالي 3.5 مليون نسمة. وبالطبع فإن هذه الفجوة الكبيرة في التقديرات والإحصاءات تعود للثغرات الجوهرية التي سادت خلال إجراء الإحصاء الأمريكي، وأبرزها تتعلق بصيغة السؤال الذي تضمنته استمارة الاستفتاء حيث لم يستجب الكثير من العرب أو فضلوا عدم الإجابة بأن يعتبروا أنفسهم عرباً بالأصول، وذكروا بلدهم الأصلي بدلاً من الإشارة إلى انتمائهم العربي. ولا توجد لجنة خاصة من العرب الأمريكيين أو آلية رسمية أمريكية لمراجعة السجلات وتصويب تلك الثغرات.

       

        ويتوزع العرب الأمريكيون على مختلف الولايات الأمريكية حيث يتركـز ثلثيهم (2/3) تقريباً في 10 ولايات، والثلث الباقي منتشر على معظم الولايات الأخرى الأربعين. ويقطن ثلث العرب الأمريكيين في كل من ولايات كاليفورنيا، نيويورك، ومتشغان. ويستقر حوالي 94% منهم في ضواحي المدن الرئيسية خاصة لوس انجلوس، وديترويت، ونيويورك، نيوجرسي، وضواحي العاصمة واشنطن.

 

        تعتبر الجالية اللبنانية الأكثر عدداً وتوزعاً جغرافيا، بينما تتركز الجالية المصرية مثلاً في ولاية نيوجرسي، والسورية في ولاية رود ايلاند، والفلسطينية في ولاية ايلنوى، والعراقيين في ولاية ايلنيوى ومتشغان وكاليفورنيا. ويستفاد من بعض العينات الإحصائية التي أجرتها بعض المؤسسات العربية الأمريكية على أن العرب يتمتعون بنسبة تعليم عالية قياساً بالمتوسط التعليمي لبقية السكان الأمريكيين، حيث يحمل 40% من العرب شهادات جامعية عليا وهي نسبة مضاعفة عن المعدل الوسطي الأمريكي للمتعلمين. وتدخل نسبة 65% من البالغين في سوق العمل يحتلون وظائف إدارية وتقنية أو مهنية ومعظمهم في القطاع الخاص أو قطاع الخدمات. وتبلغ نسبة العاملين في القطاع الخاص 88% مقابل 12% في وظائف حكومية، ويزيد متوسط الدخل للعرب الأمريكيين 8% عن المعدل الوسطي للدخل في أمريكا والذي يقدر بحوالي 57 ألف دولار سنوياً. أما فيما يتعلق بالانتماءات الدينية فقد أشارت بعض التقديرات المنسوبة إلى مؤسسات عربية أميركية وبعض الباحثين، أن غالبية العرب الأمريكيين هم مسيحيون يتوزعون على النحو التقريبي التالي:

·   41% كاثوليك.

·   23% أرثودكس.

·   11% بروتستانت.                                                        فيما تبلغ نسبة المسلمين 25% من إجمالي تعداد الجالية.

ولا تستند هذه الأرقام والنسب إلى إحصاء رسمي على أساس التوزيع الديني في الولايات المتحدة. ورغم إجماع العديد من الأوساط على التنامي الواسع لعدد المسلمين في الولايات المتحدة في العقد الأخير، فإن التقديرات تبقى متضاربة حول عددهم بسبب تشعب أصولهم كوافدين من العالم الإسلامي المتنوع بالإضافة إلى المواطنين المسلمين السود. وتحرص المنظمات الإسلامية على تقدير العدد الإجمالي للمسلمين بمن فيهم العرب بحوالي 6-7 ملايين نسمة وأن 25% منهم من أصول عربية. وبذلك يكون عدد العرب المسلمين الأميركيين أكثر من مليون ونصف المليون نسمة مما يجعلهم يشكلون نصف عدد الجالية العربية الأميركية إن لم يكن أكثر.

وتفيد دراسة تمت برعاية جامعة هارتفورد في عام 2000 إلى ان حوالي مليوني مسلم يتردون سنوياً على المساجد التي يقارب عددها 1209 مسجدا (دون احتساب المساجد الصغيرة المخصصة للصلاة والملحقة بأماكن العمل)، واستنتج معدو الدراسة أن تردد هذا العدد الكبير مؤشر على أن التقدير العام بـ 6-7 ملايين يعد محافظاً جداً وان العدد الفعلي قد يتجاوز ذلك. وتشير الدراسة إلى أن حوالي 75% من المساجد تأسست في العقود الثلاثة الأخيرة ونسبة التردد عليها على أساس التنوع الإثني تتوزع كما يلي:

·  33% من أصل جنوب آسيوي.

·  30% من أصل أفريقي أمريكي (السود).

·  25% من أصل عربي.

 

مع الإشارة إلى أن غالبية البالغين المترددين على المساجد هم من خريجي الجامعات مع نمو ملحوظ للمسلمين الذين يتحدثون الإسبانية (من دول أمريكا اللاتينية)  وغيرهم من الأقليات حيث تصل نسبتهم إلى 3%.

 

الوضع الراهن للجاليات العربية والاسلامية:

       

        تعاني الجاليات العربية والإسلامية أكثر من غيرها من الجاليات المتنوعة التي تشكل فسيفساء المجتمع الأمريكي من مشكلة الجمع بين السعي للاندماج في النسيج الطبيعي له وما يترتب من تبعات الولاء الدستوري للموطن الجديد وبين الحفاظ على مكونات الهوية الثقافية والدينية المميزة التي تربطهم بجذورهم الأصلية. فقد نجحت العديد من الجاليات الاخرى في تحقيق نوع من التوازن بين المسألتين واستطاعت ان تكرس اندماجها وقبولها النسبي في النسيج الامريكي. ولم تكتف بذلك بل استفادت من مساحة الحرية والانفتاح والضمانات القانونية المكفولة في الدستور الامريكي للحقوق المدنية والدينية للافراد لتعزيز مشاركتها وموقعها واسهامها في الحياة السياسية والفكرية والثقافية الامريكية.

        وفيما يتعلق بالجاليات العربية والاسلامية لا يجوز التغاضي عن عاملين موضوعين ساهما في تعقيد عملية الاندماج الطبيعي مقارنة ببقية الجاليات الاخرى:

العامل الاول: هو ان المجتمع الامريكي بالرغم من الانجازات الكبيرة التي تحققت على الصعيد القانوني والدستوري لصيانة الحريات الفردية وتعميق الشعور بالمساواة واتاحة الفرص والمبادرة للافراد، إلا انه بقي مجتمعاً تحوم في فضائه مشاعر التمييز ضد ما لا ينتسب الى الاصل الانكلوسكسوني الابيض أو الديانة المسيحية (هذا قبل ان تسيطر نغمة التراث المسيحي اليهودي المشترك) على الخطاب السياسي والإعلامي والديني في الولايات المتحدة تكريساً لقبول اليهود وتخلصاً من عقدة الذنب التي تلاحق الامريكين بسبب اصولهم الاوروبية حيث انتعشت معاداة السامية والممارسات النازية ضد اليهود.  ورغم أن مشاعر التمييز العنصري تركزت البداية على السود الافارقة، إلا انها كانت تطال كل من تبدو سحنته أو لهجته "غربية" من الامريكيين البيض مثل العرب والمسلمين وغيرهم من الوافدين الجدد وتتخذ هذه المشاعر أحيانا مواقف عدائية وتحريضية وصلت مؤخراً إلى حد المطالبة بوقف الهجرة الى الولايات المتحدة من بعض الاوساط المحافظة.

العامل الثاني: تداعيات الصراع العربي ـ الصهيوني واصطفاف الحكومات الأميركية المتعاقبة الى جانب الطرف الإسرائيلي، وسيطرة الموقف السياسي والفكري والديني المؤيد له داخل الولايات المتحدة مما فرض واقعاً ضاغطاً إضافياً على العرب والمسلمين الذين يتعاطفون بصورة طبيعية مع القضية الفلسطينية العادلة ويخشون من التعبير عن مواقفهم في وسط معاد قد يضعهم في موقع (قفص) الاتهام والتشكيك بمواطنتهم لأنهم يخالفون السياسة الرسمية الأمريكية، وكانت تجربة معسكرات اعتقال اليابانيين الامريكيين في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية نموذجاً للمخاوف التي قد تلحق بهم.

 

وقد تراوحت مقاربة بعض العرب والمسلمين للتعامل بين السعي للاندماج الاقصى أي حالة الذوبان الكلي في المجتمع الامريكي عبر تغيير الاسماء، أو حتى انكار هوية البلد الاصلي، وبين الاعتزال والامتناع الكلي عن أي نشاط ثقافي أو سياسي أو ديني يعبر عن صلته بالاصول ... بينما استمرت قلة منهم في محاولة التركيز على الجانب الثقافي في نشاطهم الاجتماعي وربما تجاوز الامر ذلك الى جانب تشكيل الروابط بالنوادي على أساس عائلي أو مهني أو تجاري أو بلد المنشأ أو حتى المدينة والقرية التي قدم المهاجرون منها. وانعكس ذلك في طبيعة المؤسسات التي كونتها الجالية العربية والاسلامية في القرن الماضي وصولا الى الثمانينيات منه، حيث نجدها محصورة في النطاق المهني أو الثقافي أو التجاري أو العائلي المحدود بصورة عامة.

 

        وقد انحصر النشاط المنظم السياسي والتنظيمي للعرب والمسلمين (ماعدا السود طبعاً)، قبل ثمانينيات القرن الماضي، في المجالين الطلابي والجامعي على قضايا تهم العالم العربي وتأثراً بتطورات الصراع العربي ـ الصهيوني. وشكلت بداية الثمانينيات البداية المنظمة للوعي العربية والاسلامي بضرورة إقامة المؤسسات التي تكرس ضرورة الاعتراف بتواجدهم كأقلية من داخل نسيج المجتمع الامريكي تهتم بالدفاع عن حقوقهم المدنية والثقافية وتساهم في النشاط السياسي المنظم للحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والجمهوري)، وتحاول إبراز وجهة نظر معارضة ومنتقدة للسياسة الامريكية المنحازة لاسرائيل والسعي لاختراق الهيمنة الإعلامية والثقافية والسياسية للقوى الصهيونية النافذة في الولايات المتحدة التي احتكرت صياغة الرأي العام الامريكي تجاه قضايا الصراع العربي ـ الصهيوني.

        وقد حققت المنظمات العربية والاسلامية الناشطة في الساحة الامريكية في العقدين الاخيرين نجاحاً نسبياً في إبراز حد أدنى من الحضور في المشهد الامريكي الداخلي وشكلت انتخابات الرئاسة الامريكية في عام 2000 والتي أظهرت انقساماً متساوياً في الاصوات الانتخابية بين مرشحي الحزبين الرئيسين أدى إلى ان تحسم الانتخابات عن طريق تدخل المحكمة العليا لصالح المرشح الجمهوري بوش الابن مؤشراً على أهمية الكتلة الانتخابية العربية والاسلامية التي صوت بغالبيتها لصالح المرشح الجمهوري، علماً بان مرشح حزب الخضر وهو من أصول لبنانية حاز على نسبة جيدة من أصواتها ايضاً. وفي الواقع فإن الكتلة الانتخابية العربية والاسلامية استجابت إلى خطاب ديماغوجي يتملق أصواتها من قبل المرشح جورج بوش الابن ولعب قادة حملته الانتخابية دوراً حيوياً في خلق الانطباع لدى العديد من أبناء الجاليات العربية والاسلامية بأنه سيكون أكثر تفهماً وتجاوباً مع همومهم ومشاعرهم ادراكاً منهم للحاجة الماسة إلى أصواتهم في انتخابات شديدة التنافس.

        وقد استبشر العديد من قادة المنظمات العربية والاسلامية خيراً بمجيء بوش الابن للرئاسة وأعتقدوا أنهم قد حققوا اختراقاً نوعياً في الدخول إلى المسرح السياسي الداخلي الامريكي وخاصة وأن الرئيس بوش سيحرص على رعاية ومكافأة الجالية عدا عن حاجته الماسة لصوتها في الانتخابات القادمة قد تشهد تكراراً لمنافسة حادة تفرض على المرشحين السعي لاسترضائها والاستجابة لمطالبها. وبينما كانت هذه القيادات تنام على حرير من التمنيات الطيبة وتتمادى في استقراء المغانم القادمة جاءت هجمات 11 سبتمبر وردة فعل إدارة بوش عليها مثل اعصار كاسح يجرف في طريقه الأوهام والأمنيات وحسابات المغانم المفترضة. وهكذا، وبقدرة قادر انتقلت قيادات الجالية من دائرة التفاؤل بمستقبل واعد إلى دائرة الخوف والهلع تتحسس أقدامها ومواقعها والكراسي التي تجلس عليها التي بدأت تهتز من وقع الصدمة.

 

كيف تعاملت قيادات الجالية مع زلزال 11 سبتمبر وردة فعل إدارة بوش؟

 

هناك ثلاثة مقاييس عامة لتقييم دور وفاعلية ونجاح أي جالية/أقلية إثنية في المجتمع الأمريكي وهي:

·   البروز والحضور        Visibility

·        التنظيم                 Organization

·        التأثير                  Influence

 

وقد تعمدت عدم إدراج العدد النسبي لكل جالية مقارنة بمجمل عدد السكان كمقياس لأنه لا يشكل مقياساً حاسماً رغم أهميته اذا لم يثبت عليه وينجم عنه تحقق المقاييس الثلاثة المشار إليها أعلاه والتي لا يجوز النظر إليها إلا بصورة مترابطة ومتفاعلة أيضاً. وربما يساعدنا في تفهم هذه المسألة استعراض أمثلة من الواقع الأمريكي، فالأقلية السوداء مثلاً كانت إلى حد قريب تعتبر من حيث العدد أكثر الأقليات عدداً قبل ان تتجاوزها الأقلية من أصول امريكا الوسطى والجنوبية (الناطقين بالإسبانية)، التي رغم عددها الكبير، نجد أنها تحقق مجالا محدوداً من البروز والحضور والتأثير في الحياة السياسية الامريكية مع توفر قدر من التنظيم بعد أن كانت شبه مغيبة، أما الأقلية من الناطقين بالإسبانية (وهي الأكثرية بموجب الإحصائيات الأخيرة) فإنها تفتقر إلى البروز والفاعلية والتنظيم بما يتناسب مع الحد الأدنى من إمكانياتها. وفي المقابل فإن الطائفة اليهودية تتمتع بموقع نافذ ونوعي من حيث الحضور والبروز والتنظيم والتأثير في الحياة السياسية الأمريكية لا يتناسب مع حجمها المحدود قياساً بالأقليات الأخرى. ونأتي إلى الجاليات العربية والإسلامية لنجد وضعاً يكاد يشابه وضع الأقلية من الناطقين بالإسبانية رغم ان هناك انتقالاً من حالة الغياب الكلي الى درجة محدودة من البروز والحضور وانحسار شبه تام في التنظيم أو التأثير.

ولكن ليس كل أنواع البروز دلالات على صحة التوجه، أو نبل القصد. فقد يكون جزءاً من البروز أحيانا أو على الأصح "الإبراز" مقصوداً للعب دور وظيفي دعائي محدد، وهناك فرق كبير بين البروز المقصود عن طريق الصور التذكارية مع كبار المسؤولين الأمريكيين لتحقيق أغراضهم والبروز تعبيراً عن إنجازات حقيقية لصالح الجالية تفرض نفسها في المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي.

 

كيف تعاملت منظمات الجالية مع تداعيات احداث 11 سبتمبر؟

 

لم تكن الجالية قبل أحداث 11 سبتمبر تتصرف وكأنها مستهدفة من قبل قوى متنفذة داخل الإدارة الأمريكية وخارجها تتحين الفرص لإقصاء العرب والمسلمين من أي دور فاعل في مجرى الحياة السياسية الأمريكية، رغم أجراس الإنذار الكبيرة التي دوت قبل وبعد صدور قانون مكافحة الإرهاب أو ما عرف بقانون الوطنية "Patriot Act I" والذي استهدف بصورة خاصة أبناء الجالية العربية والإسلامية. فكما أسلفنا كانت أوهام "المغانم" السياسية والانتخابية المفترضة تسيطر على توجهات وتتحكم بسلوكياتها من جراء ما جرى في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2000 لم تكن تدرك التحولات العميقة التي تجري في الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب البــاردة، أو تتفهم جوهر "دولة الحرب والأمن القومي" التي تتحفز للكشف عن أنيابها داخلياً وخارجياً. لقد خدعها كما خدع غيرها ارتداء مرشحها الرئاسي القادم بوش الابن قناعاً خادعاً خلال حملته الانتخابية التمهيدية داخل الحزب الجمهوري وبعدها خلال الحملة الرئاسية تحت شعار المحافظة الرحيمة "Compassionate Conservatism"، وأطلق مديري حملته الانتخابية هذا الشعار ولقنوه ترديده في كل خطبه ومهرجاناته ومقابلاته في سعي مدروس لكسب أصوات الأقليات ولتبديد الشكوك لديهم حول موقفه الحقيقي تجاه الاتهامات الموجهة من الحزب الديمقراطي بأنه سيسعى لتقويض برامج الرعاية الصحية والاجتماعية لدولة الرفاه، باعتباره ممثلاً لحزب الأغنياء وكبار رجال الأعمال. ومع هبوب عاصفة 11 سبتمبر غابت الشعارات الرحيمة والوعود البراقة باتباع سياسة خارجية متوازية قائمة على التواضع وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتحول "الفيل الوديع" إلى "ثور هائج" ينشد الانتقام تحت لافتة محاربة "الإرهاب الدولي" من خلال شن حرب انتقامية مفتوحة الجبهات بدون حدود زمنية أو جغرافية، وهكذا تحولت هجمات 11 سبتمبر إلى منصة ملائمة وفرصة ذهبية للإطلاق العلني لمشروع دولة الحرب والأمن القومي دون الحاجة إلى التستر أو التمويه.

        لقد كان المسرح الدولي والداخلي الأمريكي مهيئاً قبل 11 سبتمبر لبروز تدريجي وبطيء لدولة الحرب والأمن القومي، فهجمات 11 سبتمبر سرعت بوتيرتها. ولم تكن المفصل التاريخي الحاسم لنشوئها كما يعتقد البعض. فالمجتمع الصناعي الحربي المكون من 8 آلآف شركة متنوعة ممتد كالأخطبوط في نسيج الدورة الاقتصادية الأمريكية والعالمية ويتقاطع في مشاريعه وشبكة مصالحه مع المجمع النفطي والمالي والتقني والإعلامي الاستشاري في كتلة واحدة، يحتاج لاستحضار بدائل للخطر الشيوعي البائد  الذي تم استخدامه لتبرير برامجه ومشاريعه ومبيعاته المهددة بالانخفاض وحتى الانقراض... وكأن هذه المجمع المتشابك المصالح يتلقى اللكمات شبة القاتلة أثر انفجار فقاقيع الورم الاصطناعي لأسواق البورصة العالمية الأمريكية وتواتر فضائح الإفلاس والتزوير بمئات المليارات للشركات الأمريكية العملاقة وانهيار العديد من الأسواق المالية... كاشفة الغطاء عن عمق الأزمة البنيوية والأخلاقية التي تعصف باقتصاديات الرأسماليات الحديثة وتعمق مشاعر الشك والريبة وفقدان الثقة لدى المستثمر والمستهلك على حد سواء ... ويزيد عمق الأزمة استمرار مؤشرات استدامة الركود الاقتصادي الأمريكي وقصور المعالجات الحكومية عن وقف التدهور، فلا تخفيض الضرائب لزيادة القدرة الشرائية والادخارية للمستهلك، ولا التخفيض المتكرر لأسعار الفائدة لتحسين شروط الاقراض ولا إجراءات الحماية برفع الرسوم الجمركية على بعض المستوردات أو تعزيز برامج الدعم الحكومي لقطاع الإنتاج الزراعي والخدمات تساعد في وقف المسار الانحداري .

        إذن كان لا بد من اللجوء إلى حلول أخرى، لا بد من التحول إلى اقتصاد الحرب، ولم يعد خافياً على أحداث التحضيرات لشن الحرب على أفغانستان أولاً والعراق لاحقاً كانت جاهزة على طاولة الرئيس الأمريكي للمصادقة على الأولى في السادس من سبتمبر (أي قبل أيام من هجمات 11 سبتمبر).

        إن اللجوء للحرب كوسيلة رئيسية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الامريكية وتحقيق الأمن الاقتصادي ليست أمراً جديداً في التاريخ الأمريكي الحديث منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تدخلت عسكرياً الإدارات الأمريكية المتعاقبة في أكثر من 72 حالة على امتداد الكرة الأرضية. ولكن الجديد هو أن يتم تبرير وتسويق "دولة الحرب" عبر مبدئي جديد وبصورة علنية صارخة مخلصة في الحرب الوقائية على كل دولة يضعها في "محور الشر" لأنها عاصية على الولايات المتحدة وتفكر بامتلاك أو تطوير أسلحة الدمار الشامل حتى وصل الأمر إلى الحديث عن ضرورة وإمكانية استخدام السلاح النووي التكتيكي، وتتماشى هذه السياسة مع نزعة التفرد الأمريكية في معالجة الأزمات الإقليمية وفي الانسحاب من المعاهدات الدولية المختلفة (معاهدة عام 72 للصواريخ المضاد للصواريخ الباليستية (ABM) أو عدم الموافقة على معاهدات أخرى (حظر التجارب النووية، كيوتو للانحباس الحراري، حظر الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، حظر إنتاج الألغام ضد الأفراد، محاكم الجرائم الدولية وغيرها) يضاف إلى ذلك إحياء برنامج "حرب النجوم" تحت مسمى برنامج الدرع الصاروخي الذي تقدر نفقاته بمئات المليارات من الدولارات. إن كل هذه المؤشرات تدل بما لا يقبل الشك على التوجه الأمريكي لفرض سياسة التدخل العسكري والهيمنة العالمية في محاولة لإنقاذ المجتمع الصناعي الحربي وأخطبوطه المدني من ورطته الخانقة. أما على الصعيد الداخلي فقبل ان يتم تشكيل وزارة الأمن الداخلي Homeland Security كانت الإجراءات والقوانين الأمنية الطابع ... مثل قانون ما يسمى بمكافحة "الإرهاب" وقانون الوطنية Patriot Act وهو يتلخص للأحرف الأولى لعبارة طويلة:

Providing Appropriate tools Required To intercept and obstruct Terrorism.

تصادر الحقوق المدنية التي يصونها الدستور وتتحول أمريكا من دولة القانون والدستور إلى دولة الأمن والقمع والطوارئ. فلا حدود لتدخل أجهزة الأمن في التصنت والمراقبة والتوثيق واستخدام الأدلة السرية واعتماد المحاكم العسكرية والتي تطال عملياً المسلمين والعرب بصورة خاصة، دون ان ننسي القيود الجديدة على الهجرة والجنسية وتحويل أفراد المجتمع الأمريكي إلى مخبرين ورجال أمن على جيرانهم ومعارفهم دون أي رادع والإيحاء بأن كل عربي أو مسلم متهم ومشبوه دون أن يكون له الحق بإثبات براءته.

        لقد جاء تكوين وزارة الأمن الداخلي أهم وأكبر تحول داخلي في التنظيم الحكومي للولايات المتحدة منذ قيام الرئيس ترومان في عام 1947 بدمج فروع القوات المسلحة في وزارة الدفاع وإصدار قانون الأمن القومي لعام 1947. لقد نحج الرئيس بوش في دمج أكثر من 22 وكالة ومؤسسة حكومية منفصلة في وزارة الأمن الداخلي الجديدة تشرف على أكثر من 180 ألف موظف حكومي وتتوفر لديها ميزانية تتجاوز 40 مليار دولار. وتجري محاولات الآن لتمرير قانون جديد معدل يسمى قانون الوطنية2  Patriot II، وفي حالة موافقة الكونغرس عليه فلن يعود هناك أي متنفس للحرية أو ضمان دستوري لاي حق للأفراد وخاصة العرب والمسلمين.

        في ظل هذه الأجواء طغت مشاعر الخوف وفقدان الأمان على أبناء الجالية العربية والإسلامية وباشرت قيادات معظم منظماتها تقديم مراسم الطاعة والولاء للإدارة والتعاقد مع أجهزتها الأمنية اعتقاداً منها ان ممارسة التزلف والاسترضاء والانحناء أمام العاصفة ستؤدي الى حماية الجالية من عسف السلطات واضطهادهم وتخفيف حملات الكراهية والعداء والتمييز العنصري والاعتقالات العشوائية. وغلب هذا الاتجاه وسط الجالية رغم دعوة البعض إلى ضرورة إتباع منهج الصمود والدفاع الناشط عن الحقوق المدنية التي يكفلها الدستور والسعي لبناء تحالفات جدية مع الأقليات الأخرى ومنظمات المجتمع المدني الأمريكية التي تعارض السياسة الرسمية التي ستلحق الأذى والضرر بها مما جعلها تتحرك لمواجهتها.

        وكشفت هذه الحالة غياب الرؤية الواضحة لدى معظم قيادات هذه المنظمات وانغماسها بالعمل الموسمي والدعائي وحرصها على حماية مواقعها وامتيازاتها الشخصية وتلميع صورتها كزعامة مفترضة للجالية. وانعكست هذه الممارسات في ترسيخ حالة الجمود وانحسار العضوية لدى هذه المنظمات وغياب المشاركة الفعالة في النشاطات الجماهيرية ناهيك عن تراجع مواردها المالية... ومن المؤسف أن يلمس المرء غياب منظمات الجالية العربية والإسلامية عن النشاطات الواسعة التي شهدتها الساحة الأمريكية من قوى فاعلة ومعارضة لسياسة الإدارة خارجياً وداخلياً في وقت تتبنى فيه هذه الجماعات الامريكية المتحركة القضايا العربية بمستوى لم تشهده الساحة الأمريكية حتى في أوج مرحلة النشاط الفعال للمنظمات العربية في أواخر السبعينات والثمانينات ومطلع التسعينات. في تلك المرحلة كانت القوى الناشطة الأمريكية أقل تقبلاً وحماساً وتبنياً للقضايا العربية قياساً بالمرحلة الراهنة حيث تتصدر نشاطاتها الشعارات المعادية للحرب الأمريكية في العراق والعدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني مضافة إلى شعاراتها الخاصة بمطالبها المتعلقة بالوضع الداخلي الأمريكي.

 

كيف يمكن مواجهة الوضع الجديد؟

 

أكدت تجربة السنوات الأخيرة عجز وفشل المنظمات العربية والإسلامية القائمة حالياً بالارتقاء إلى مستوى التحديات الجديدة رغم نجاح بعضها نسبياً في مساعي الدفاع القانوني عن بعض المتضررين من أبناء الجالية تجاه الممارسات القمعية لإدارة بوش، كما كشفت عن قصورها الذاتي عن لعب دور فاعل في تقديم خطاب سياسي وإعلامي جامع يعبر عن حقوقها ومصالح أبناء الجالية التي تصطدم حالياً بصورة جذرية مع توجهات الإدارة الأمريكية الخارجية تجاه العالم العربي والداخلية إزاء الحقوق المدنية والدستورية.

        هناك فراغ حقيقي في الساحة الأمريكية لا تستطيع ان تملأه المنظمات القائمة، يفترض تكوين منظمة أو منظمات جديدة تتجاوز حالة الشلل والعجز والترهل والخوف واللامبالاة وتستجيب لمشاعر الغالبية الساحقة من أبناء الجالية في التصدي لمشروع دولة الحرب والأمن القومي والتعبير عن ثوابت الموقف الوطني لها حيال القضايا العربية وتنخرط بصورة فعالة في نسيج القوى المتحركة الأمريكية المناهضة لهذا المشروع. إن الدعوة لإنشاء إطار جديد لا يجب ان تعني أو تهدف إلى إلغاء أو محاربة المنظمات القائمة أو السعي لتعطيلها بل لتحفيزها على القيام بدورها الطبيعي مع إدراك حدود إمكانياتها ودورها استناداً إلى التجربة العملية.

        إن تفعيل الحضور السياسي والإعلامي المنظم للجالية العربية والإسلامية لا يمكن أن يتم إلا عبر الانخراط في مختلف جوانب الحياة الأمريكية، وتعزيز التحالف مع الأقليات الأخرى، وتبني قضاياها وهمومها الخاصة والمشتركة. إن المهمة المركزية للجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة ليست السعي وراء سراب تكوين لوبي عربي ليوازي اللوبي الصهيوني عن طريق حملات العلاقات العامة أو المؤسسات الاستشارية التي تنفق بعض الحكومات العربية الأموال الطائلة عليها دون جدوى. بل إنشاء المؤسسات السياسية والفكرية والثقافية والفنية المستقلة بالاعتماد على قدراتها الذاتية والحرص على أن تكون هذه المؤسسات مستقلة رغم انحيازها المشروع للقضايا العربية والدفاع عنها.

        إن اللوبي العربي الحقيقي في الولايات المتحدة هو التيار العريض لكافة القوى المناهضة لمشروع دولة الحرب والأمن القومي والتي تتبنى أجندة مشتركة مع العرب بصورة تلقائية وغير مصطنعة. وضمن هذا التيار العريض نجد محاولات جادة من فئات أمريكية متنوعة الاتجاهات تتحرك بنشاط واعد بينما ينكفئ معظم العرب والمسلمين عن التحرك.

 

مقترحات عملية:

 

·   ضرورة التوجه الجدي لإنشاء منظمة جديدة جامعة للعرب الأمريكيين تتبنى خطاباً سياسياً يعبر عن مصالحها الحيوية في المعارضة الناشطة لدولة الحرب والأمن القومي ويمكن إطلاق تسمية المجلس الوطني العربي الأمريكي على الإطار الجديد واعتماد صفة تنظيمية تكرس الديمقراطية داخل صفوف الأعضاء وتشكيل فروع للمجلس على نطاق التواجد العربي الأمريكي في الولايات المتحدة.

·   التنسيق العضوي مع كافة المؤسسات والمنظمات الأمريكية المناهضة لمشروع دولة الحرب والأمن القومي.

·   السعي لإنشاء مركز عربي للدراسات الأمريكية يكون على صلة عضوية بالمجلس الوطني العربي الأمريكي تنخرط فيه الخبرات الأكاديمية للعرب الأمريكيين.

·   السعي لإنشاء مؤسسة ثقافية عربية أمريكية تنخرط فيها اللقاءات الثقافية والأدبية والفنية للعرب الأمريكيين.

·   العمل لإنشاء مركز إعلامي عربي أمريكي مع موقع خاص على شبكة الانترنيت تنخرط فيه الكفاءات الإعلامية العربية الأمريكية ووضع قائمة خاصة بالخبراء والمتحدثين والمحاضرين للاستعانة بهم في التواصل الإعلامي والسياسي.

·   تنشيط وتأسيس نوادي وجمعيات عربية أمريكية على أساس مهني.

·   إنشاء مركز عربي أمريكي للدفاع القانوني عن العرب ينسق مع المكاتب القانونية

القائمة لدى بعض المنظمات العربية والأمريكية

 

 

 MOUNZER SLEIMAN*                                                

 

                   Analyst / Political- Military Affairs

                   globalzr@aol.com

                   301 509 4144 Cell

                    309 431 5206 Fax (new)

                    301 916 3641 Fax

 


Home Page | Al-Hewar Center | Calendar | Magazines | Subscriptions | Feedback | Advertising About Us
Copyright ©2004 Al-Hewar Center, Inc. All rights reserved.

For more information, please
contact Al-Hewar via e-mail
at alhewar@alhewar.com