هموم دارفور في مركز الحوار:

الفريق محمد زين العابدين:  دارفور أصبحت نطاقاً جديداً للتنافس والصراع بين الفرانكوفون والأنجلوفون!

 

مع انتهاء المهلة الممنوحة للسودان لتنفيذ التزاماته في دارفور ووقف عمليات سفك الدماء عن طريق نزع سلاح الميليشيات وعصابات النهب ومقاتلي الجنجويد، استضاف مركز الحوار العربي في منطقة واشنطن الفريق السوداني المتقاعد محمد زين العابدين النائب السابق لرئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية وسفير السودان السابق لدى الدول الاسكندنافية للحديث عمّا يحدث في دارفور وأسباب اهتمام دول الغرب بهذه المنطقة في غرب السودان.

 وتحدث السفير محمد زين العابدين في البداية عن مشكلة دارفور بين الماضي والحاضر والمستقبل فقال، إن إقليم دارفور يقطنه حوالي سبعة ملايين نسمة موزعين بين حوالي ثمانين قبيلة تنحدر من أصول عربية وإفريقية ولا توجد قبائل عربية خالصة، وهم يعيشون في وئام منذ مئات السنين، ومنهم من يرعى البقر مثل قبائل الرزيقات والمسيرية والمعاليا ومنهم رعاة الإبل كقبائل الزيادية والمهرية وغيرهم. أما القبائل الإفريقية فهي الفور والمساليت والزغاوة وغيرهم وكلهم سودانيون. وتحدث الصراعات بين القبائل بسبب المراعي ومصادر المياه أو بسبب الخلاف على الأرض، واعتاد سكان دارفور في الماضي على تسوية كل ما ينشب بينهم من نزاعات عن طريق العمد أو السلاطين المحليين وكذلك شيوخ وزعماء القبائل، ثم أدخل نظام الرئيس جعفر نميري في مطلع السبعينات من القرن الماضي نظام الإدارة الأهلية وسرعان ما فتح ذلك النظام الباب على مصراعيه للعمل السياسي القبلي وأدّى إلى تعقيدات كبرى.

 

أسباب عديدة لمشكلة دارفور ..

الأسباب البيئية:

ونفى السفير محمد زين العابدين  أن يكون الصراع في دارفور صراعا بين عرب وأفارقة باعتبار أن مختلف القبائل التي تعيش في المنطقة منذ مئات السنين تنحدر من خليط من العرب والأفارقة وجميع سكانها هم من المسلمين، وقال إن منطقة دارفور تعاني منذ سنوات عديدة من تدهور بيئي وأمني، وقد بدأ التدهور البيئي من تعاقب الجفاف وبالتالي تعدّد المجاعات وخاصة مجاعة عام 1985، وتأثرت بها دارفور بشكل واضح وبلغت الوفيات في دارفور وكردفان حسب إحصاءات الأمم المتحدة حوالي مائة ألف شخص. ويرى السفير زين العابدين أن موجات الجفاف والتصحّر أحال القرى والمزارع إلى أراض صحراوية انعدمت  فيها الحياة ممّا أثر بالتالي على حياة السكان وأجبرهم على النزوح للبحث عن المياه والكلأ، وأصبح الرعاة يتحركون جنوبا سعيا وراء الماء والمرعى ممّا جعل الصراع على الأرض ومصادر المياه يطلّ برأسه في دارفور وخاصة مع دخول الرعاة لمناطق المزارعين.

 

الأسباب التنموية:

مع أن إقليم دارفور له ثقل سكاني يفوق بقية أقاليم السودان فإن الحكومات السودانية المتعاقبة أهملت التنمية فيه بالمقارنة مع مناطق السودان الأخرى. وكان من الأجدر بتلك الحكومات أن تدرك أنه مع ارتفاع نسبة البطالة في دارفور كان المطلوب الاستثمار في مشروعات تنمية تستوعب نسبة عمالة عالية كما أن الإقليم كان بحاجة ماسة لإقامة السدود والآبار لمواجهة مواسم الجفاف، وممّا زاد الطين بللا ارتفاع نسبة الأطفال غير المتعلمين إلى ستين في المائة من الأطفال في سن المدرسة ممّا يجعل منهم عاطلين يسهل استقطابهم للمشاركة في عمليات النهب المسلح ونشاطات المجموعات السياسية المسلحة.

 

الأسباب السياسية:

مع حدوث انشقاق داخل صفوف الجبهة القومية الإسلامية في عام 2000 بدأ العمل المعادي للحكومة المركزية يبرز في دارفور بالنظر إلى أن عددا من القيادات السياسية للجبهة القومية الإسلامية ينحدرون من إقليم دارفور، كما أن بعض قيادات المعارضة السياسية للحكومة الحالية هم أيضا من أهالي دارفور ولهم تأثير واضح في الإقليم، ولذلك بدأ البعد السياسي العسكري يترك بصماته الواضحة على مسرح الأحداث في دارفور عن طريق استغلال التدهور البيئي والأمني في الإقليم.

 

العسكرة القبلية:

أدّت الصراعات القبلية على الأرض ومصادر المياه بسبب التصحّر والجفاف إلى تطورات خطيرة انطوت على حرق القرى مما أدّى إلى توجّه القبائل منذ عام 2000 إلى تشكيل ميليشيات قبلية من قبائل متعددة، مثل انضمام مجموعة من مقاتلي قبيلة الزغاوة لمجموعة من مقاتلي قبيلة الفور مكونين ما سمي بحركة إنقاذ دارفور، وبدأت الحركة تحتمي بالأراضي الوعرة وتلقي الدعم من الداخل والخارج، وبحلول عام 2003 هاجمت الحركة مدينة الفاشر عاصمة دارفور ودمّرت ثماني طائرات عسكرية، كما استهدفت الحركة العسكرية عدّة مدن أخرى وعددا من مراكز الشرطة السودانية في الإقليم مما زعزع الأمن فيه بشكل واضح، وطالت عمليات الحركة بعد ذلك العاملين في مشروعات التنمية ومنظمات الإغاثة. وعندما ردّت الحكومة السودانية بهجوم على مقاتلي الحركة في شمال دارفور تفرّقوا في مناطق الإقليم المختلفة وواصلوا شنّ الهجمات من تلك المناطق. ثم تطور الأمر فبرزت حركة العدل والمساواة ولها صلاتها القوية مع حزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور حسن الترابي، وحركة تحرير السودان ولها علاقات وثيقة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون جرنج وأصبح لهما ممثلون في الخارج تمركزوا في دول غرب أوروبا.

 

تدفق السلاح لإقليم دارفور:

عندما دبّ الصراع بين العقيد القذافي والرئيس نميري سخّرت ليبيا إمكانياتها الضخمة لزعزعة استقرار السودان وبدأ تدفق الأسلحة على الحدود الغربية حيث تلقت القبائل كميات ضخمة من السلاح، ثم تركت القوات الليبية كميات ضخمة إضافية من السلاح والعتاد الحربي في تشاد المتاخمة لإقليم دارفور بعد انسحابها من عملية الغزو الليبي لتشاد بسبب الصراع على إقليم أووزو.

وقد أدّى توفّر السلاح بكميات كبيرة في دارفور إلى تفشّي حالات النهب المسلح والقتل في إطار الصراعات القبلية وبالتالي انفلات الوضع الأمني.

 

التدخل الخارجي في دارفور:

يعدّ الامتداد القبلي عبر الحدود مشكلة إضافية تلقي بظلالها على الأوضاع في دارفور، فمن المعروف أن الحدود المشتركة بين دارفور وتشاد تمتد حوالي ألف كيلومتر، وتوجد 13 قبيلة متداخلة بين طرفي الحدود لذلك أثّر الصراع على السلطة في تشاد كثيرا على الموقف الأمني في دارفور حيث نزحت القبائل المشتركة إلى دارفور للاحتماء بنفس قبائلها الموجودة في السودان، كما أن بترول غرب أفريقيا سيتمّ تصديره من المحيط الأطلسي لدول الغرب والولايات المتحدة ويتميز بأنه لا يمرّ عبر مضايق أو ممرات وقنوات وبالتالي سيكون أكثر أمنا وأقل تكلفة بالإضافة إلى رخص الأيدي العاملة، لذلك تدافعت دول الغرب والولايات المتحدة للضغط على حكومة السودان لكي لا يؤدي الوضع المتردي في دارفور إلى زعزعة استقرار المنطقة وتهديد تدفق البترول خاصة من تشاد. ولعلّ الوجود العسكري الفرنسي المتزايد يشير إلى عملية استباق للسيطرة على المنطقة التي أصبحت نطاقا جديدا للتنافس والصراع بين الفرانكوفون والأنجلوفون.

 

وخلص السفير محمد زين العابدين في ندوته بمركز الحوار العربي في منطقة واشنطن إلى أن الغرب يخشى من ارتباط ما يحدث في دارفور بالحركات الإسلامية المتطرفة حيث أن هناك مجموعة إسلامية متطرفة تعمل في منطقة الحدود بين الجزائر ومالي ويخشى الغرب من امتداد تأثيراتها ومخاطرها إلى شمال وغرب أفريقيا، غير أنه نبّه إلى خطر اللعب بالنار الذي يستهوي بعض أفراد المعارضة السودانية المسلحة من خلال الترويج للربط بين الجماعات الإسلامية المتطرفة وبين ما يقوم به الجنجويد في إقليم دارفور أو تصنيف القبائل العربية في دارفور على أنها موالية للجماعات الأصولية الإسلامية. وقال السفير زين العابدين إن هذا الربط المصطنع قد يحقق بعض المكاسب السياسية لعدد من جماعات المعارضة إلا أنه سيؤدي إلى كارثة عظمى بالمنطقة. وأشار السفير زين العايدين إلى أنه لا يمكن تعريف القبائل العربية في دارفور التي تشكل أغلبية لا يستهان بها بأنهم الجنجويد فالحقيقة أن كلمة جنجويد هي كلمة دارجة في دارفور تعني قطاع الطرق واللصوص وجماعات النهب المسلح، غير أن الاستخدام الميداني لهم من قبل الحكومة السودانية بإشراكهم في العمل العسكري ضدّ حركات التمرد هو الذي أفضى إلى حدوث تلك الضجة الإعلامية في الإعلام الغربي. وأوصى السفير زين العابدين بضرورة تصدّي كلّ الأطراف لكلّ عمليات الاعتداء على المواطنين الأبرياء سواء من قبل الجماعات الموالية للحكومة السودانية أو المعارضة، وكذلك ضرورة نزع سلاح كل مواطن لا يحمل ترخيصا بحمل السلاح مهما كان انتماؤ،ه سواء للجنجويد أو عصابات النهب أو الحركات المسلحة، ثم العمل على مواجهة المشاكل التي سبّبت هذه الأوضاع  وتأمين الهجرة الطوعية للنازحين والدخول في عملية مصالحة وحوار وتقسيم عادل للسلطة والثروة في السودان وحل دائم عن طريق التفاوض وعدم السماح بتدويل أزمة دارفور.

تقرير من إعداد: م. ش.- واشنطن

 

تتأكد أهمية تجربة "مركز الحوار" وفوائدها العديدة من خلال تشجيع أسلوب الحوار بين العرب من جهة وبين العرب والمجتمع الأميركي من جهة أخرى، وذلك عبر أنشطة (باللغتين العربية والإنجليزية)  تشمل مطبوعات دورية وموقعاً هاماً على الإنترنت، إضافة إلى ندوات أسبوعية بلغ عددها  566 ندوة حتى منتصف العام 2004 (منذ تأسيس المركز في العام 1994)، شملت ميادين الفكر والثقافة والسياسة والعلاقات العربية الأميركية.

لمزيد من المعلومات عن "مركز الحوار العربي" في واشنطن:

http://www.alhewar.com

AL-HEWAR CENTER

Mailing Address: P.O. Box 2104, Vienna, Virginia 22180 - U.S.A.

Telephone:  (703) 281-6277  Fax: (703) 437-6419

E-mail: alhewar@alhewar.com