ندوة في "مركز الحوار العربي"

 منطقة واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة

الأربعاء 2 نوفمبر 2005

 

 

العرب أمام مقتضيات التغيير والتطوير

 

صادق جواد سليمان*

 

الفكرة الأساس في هذا العرض هي أن هنالك فارقا بين عملية التغيير وعملية التطوير، وأن لكل من العمليتين مقتضاها في مسعى تقدم الأمم ... وأن الأمة العربية في مسعى تحقيق طموحها الحضاري بدورها تحتاج لتغيير وتطوير معا في وقت واحد.  سأعرض الفكرة موجزة، ثم نتوسع في بحثها تحاوراً  بعد العرض.

 

لفظ التغيير أقل تقبلا ورواجا في الخطاب العربي من لفظ التطوير.  بل وإن هناك تجنبا مقصودا لإيراده في معرض الحديث عن الإصلاح.  حتى لفظ الإصلاح، لترادف استحقاقاته مع بعض استحقاقات التغيير، لا يلقى ترحابا  لدى البعض.  لفظ التطوير، في المقابل، يورد بترحاب واطمئنان.  مرد ذلك أن الذهنية العربية لما تقتنع بالحاجة لتغيير.  إنها ترى في التغيير عوامل تعكير للمستقر الوطني.  مقابل ذلك، هي ترى في المستقر الوطني، على علاته، قابلية الانطلاق منه والبناء عليه.  بعبارة أخرى، الذهنية العربية تتحفظ على التغيير في الوقت الذي تنشد التطوير. 

 

التطوير يكون بتحريك وضع من طور حسن إلى طور أحسن.  التغيير يكون بإحلال وضع مغاير مكان وضع سائد.  في النسق الإيجابي ذلك يعني إحلالَ وضع سليم مكان آخر غير سليم.  التطوير لا يكون لوضع غير سليم  أساسا،  إذ أن ما يبنى عليه يأتي تباعا مثلَه.  لذا، لكي ينشأ بناء جديد قابلا للتطوير وجب أن ينشأ سليما من جذره. 

 

في خبرات الأمم توجد مجالات للتغيير وأخرى للتطوير.  مجالات التغيير تكون في النهج  الوطني.  مجالات التطوير تكون في المنهج السياسي.  ذلك أن الأمم تمايز بين ما هو نهج وما هو منهج: أي بين ما هو جذري ومستقر في همها الوطني وما هو فرعي ومتحرك في اجتهادها السائر.  ما لا يكون لأمة نهج مستقر لا تجديها كثيرا حركة في المنهج.  وإذا كان في نهج أمة عطب جذري لا تجديها كثيرا  شطارة في الأداء. 

 

كيف يكون إسقاط هذا التنظير على الوضع العربي؟  في الوضع العربي عطب في النهج، أي  في محاور جذرية.  إنه، أولا، مبني على تجزؤ الوطن بتعدد الدول.  إنه، ثانيا، في جله قائم على فردية الحكم.  إنه، ثالثا، محكوم بمرجعية المؤسسة الدينية في تنظيم الشأن المدني.  على المحاور الثلاثة هذه تتعثر الخبرة العربية، عاجزة عن إنجاز حضاري جامع بمعايير هذا العصر.

 

على محور العطب الأول، التجزئة توهن الخبرة العربية في الداخل، وتعرض الوطن لتدخلات مهلكة ومهينة من الخارج.  في الداخل هي تفرق الشمل، تعبثر الجهد، تعظل الطاقات، وتحول دون تنمية قومية شاملة متوازنة. إزاء الخارج هي تفقد الأمة منعة الحجم وقوة التضامن وعُرض الاجتهاد وصلابة وحدة القرار.

 

على محور العطب الثاني يسود تحفظ على النهج الديمقراطي في الحكم، تحديدا إزاء أمرين: تساوي المواطنين كافة في حقوق المواطنة، وتقرير الشأن الوطني بأرجحية الرأي من خلال مؤسسات منتخبة.  في الأمر الأول ينشأ  التحفظ إزاء إبطال التمييز والامتياز على أساس نسب أو دين أو مذهب أو طائفة، ومن ثم إزاء  تسوية أرضية المواطنة تحت أقدام المواطنين ذكور وإناث بسواء.  في الأمر الآخر ينشأ التحفظ إزاء التخلي عن فردية الحكم، وإزاء تأصيل شرعية السلطة العامة حصرا في الانتخاب الحر.

 

على محور العطب الثالث يسري قيد ديني في التشريع، تحديدا في مجال الحقوق والحريات المدنية. عالميا تشريع الشأن المدني ينجز من خلال اجتهاد مؤسسي مبصر بالخبرة الإنسانية المتنامية والمستوعبة استحقاقاتَ تغير الزمن والظرف.  حتى الحضارات العريقة كالصين والهند قد فكت ارتباطها التشريعي مع الموروث، وأضحت تقنن   علمانيا حسب مقتضيات العصر.  نعم، يبقى الموروث الديني حاضرا ثقافيا في خبرة الأمم، لكن ما عاد يتخذعاملا مهيمنا على التشريع أو مصدرا  أساسيا له. 

 

على المحاور الثلاثة  - وضع الكيان القومي، نوعية النظام السياسي، تنظيم الشأن المدني – حاجة العرب هي  لتغيير لا تطوير.  ذلك أن لا جدوى من تطوير سياق وحدوي من سياق مكرس أصلا للتجزئة، أو تطوير نظام ديمقراطي من نظام  مكرس أصلا للفردية، أو تطوير اجتهاد متحرك مع حركة الخبرة الإنسانية، من اجتهاد مثبت في التراث . (1)

 

إلى جانب مجالات التغيير، أين توجد مجالات التطوير في الوضع العربي؟  إنها توجد في مهام التنمية الوطنية.  جميع مجالات التنمية في الوطن العربي، كما لدى سائر الأمم، هي مجالات للتطوير.  التعليم، الصحة، الاقتصاد، السياحة، الإعلام، الخدمات العامة ... تلك وسواها من عناصر التنمية ضرورات تستوجب التطوير: بمعنى أنها، كما اقتبست من العالم المتقدم، سليمة ونافعة، لذا هي قابلة للتطوير، أكان بمجهود ذاتي أو باقتباس من الغير.

 

مجال التطوير، إذن، يكون في مقتنيات الحداثة، سلعا كانت أو نظمَ إدارة مرافقَ أو أعمال.  في الوطن العربي  تستقدم أسباب الحداثة دونما تحفظ، بل ويتباهي باقتنائها سلعا وتطبيقها نظما كلما طور منها جديد في الخارج وأتيح  استيراده، أولا بأول.  كل ذلك تطوير للمحيط: تطوير للمنزل والمكتب والنقل والمدرسة  والمستشفى ووسائل الإعلام والتواصل ومؤسسات التجارة والمال وسوى تلك من مرافق العصر.  لكن الحداثة لا تفضي إلى رقي الإنسان نفسه، ولا إلى رقي  وطني، ما لا تقترن عضوياً بالبعد الحضاري.   

 

الحضارة حال جامع باعث على الإبداع في شتى نشاطات الحياة.  أبرز معالم الحال الحضاري وحدة الأمة، يردفها إنجاز متميز في التنظيم السياسي، في الإنتاج الاقتصادي، في التوسع المعرفي، وفي الإرتكاز الخلقي.  بعبارة أخرى: قياس البعد الحضاري في خبرة أيما أمة يكون  بقياس إنجازها في هذه الحقول. عربيا، في هذه جميعا يخيم قصور فادح وتقصير.  لا الأمة موحدة وطنا، ولا هي مستقرة أمنا، ولا هي ديمقراطية نظاما، ولا هي وافية في المعرفة، ولا هي موفورة في الإنتاج.  وهي من بعد ذلك كله ترزخ تحت فساد سياسي إداري مستفحل.  على جميع هذه المحاور، الأمة  بحاجة لتغيير لا تطوير.

 

التغيير عربيا حري أن يبادر بثلاث: أولا: بالدعوة إلى تجسيد وحدة الأمة بتحقيق وحدة الوطن.  يستحيل تصور وضع عربي جامع مانع من دون أن يوحد وطن الأمة، أو، على الأقل، أن يسود بين أقطار الوطن تضامن يؤدي أداء وطن موحد.  ثانيا: بالدعوة إلى اجتهاد علماني في تنظيم الشأن الوطني، إذ أن بالنهج العلماني وحده يحيد الخصام الطائفي، تنمى ثقافة العيش المشترك، ويساوى بين المواطنين والمواطنات. (2) ثالثا، بالدعوة إلى ديمقراطية حقيقية ضامنة العدالةَ والمساواةَ وكرامةَ الإنسان.  سلامة الأمة في ذاتها رهن بتحقيق هذه المبادئ، وهذه المبادئ لا تتحقق في مناخ غير ديمقراطي.  مرة أخرى، في كل هذا،  الحاجة هي لتغيير لا تطوير.

 

العرب سائرون على درب الحداثة، لكنهم إزاء الاستحقاق الحضاري مترددون.  على درب الحداثة نرى استعدادا لاستقبال كل جديد، لكن أزاء المسار الحضاري نلاحظ إحجاما وركونا للوراء.  إلى أي مدى نستطيع أن نستمر في استقبال أسباب الحداثة وصد أقكار الحضارة في وقت واحد، لا أعلم.  إلى أي مدى نستطيع أن نستمر في تطوير ما حولنا وإهمال ما بنا في وقت واحد، لا أعلم.  ما أعلمه، أن التغيير الحقيقي هو ذلك الذي تنشأ بواعثه في الذات من إحساس بالحاجة لتغيير. ما أعلمه، أن استحقاقات الحياة الحضارية هي ذاتها في خبرات الأمم.  ما أعلمه، أنه عندما يزيد المستورد من الخارج عن المبتكر في الداخل، يختل الميزان الوطني ويسري في الأمة ربك ووهن. (3)

 

أمام الأمم توجد نفس إمكانات التقدم والتراجع.  على مسار التقدم قد تسبق أمة وتلحق أخرى وتتراوح ثالثة في مكانها، وتتقاعد رابعة، من عصر لعصر. (4)  لكن لا تفلح أمة طويلا ما لا تستقيم، لا تتقوى ما لا تتحد، لا تستقر، ما لا تعدل وتساوي بين أهلها، لا تسمو، ما لا تصون كرامة الإنسان.  إنها لا تتعزز ما لا تنتج، لا تتوفق في اجتهادها، ما لا تعمل بالعلم وتنتهج نهجا عقلانيا في تدبير الأمور.  ثم إنها لا تتعافى ما لا تخلص نفسها من مفاسد الإثرة وامتيازات النسب وفردية الحكم.

 

تحقيق الطموح الحضاري العربي رهن بإطلاق سياق تحول نوعي من حجم كبير ... تحولٍ ينشد الارتقاء بالخبرة العربية إلى أفق ملامس لأفق إنجازات الأمم المتقدمة في هذا العصر. (5)  استحقاقات هذا الطموح هي في عملية التغيير كما هي في عملية التطوير.  لذا  دعوتي أن يكون العمل العربي في توجهه الحضاري عملا سلميا، مستنيرا، ومثابرا على المحورين معا في وقت واحد:  تغييراً  لما يقتضي التغيير، وطويراً  لما يقتضي التطوير.*

  

ملاحظات اضافية من حصيلة الحوار:

 

(1)  قد يُظن أن فكرة أو منظومة أفكار قد اجتازت الاختبار التارخي فلا تعديل لها ولا رجعة عنها للأبد.  هكذا نظر فيكوياما في كتابه "نهاية التاريخ": أن الحضارة الغربية هي نهاية المطاف في بحث الإنسان عن النظام الأمثل للحياة.  في قرائتي، لا يستقم هذا الفهم مع طبيعة تطور الوعي تاريخيا لدى الإنسان.  هنالك أفكار تولد وتربو في كل عصر، تصحح وتعدل ما سبقتها من أفكار.  في خضم تدافع  الأفكار، عبر تعاقب الأجيال، كثيرا ما يزيح الجديد منها القديم، أو يتجاوزها برؤى أدق وأوفى وأكثر استقرارا في المعرفة المحققة بالمنهج العلمي.  بهذا المعنى الحضارة الغربية، مع ما غدا لها من شيوع وتأيثر، ليست بأكثر من محطة على مدرج ارتقاء مفتوح المدى والأجل أمام الإنسان.

 

مثال على ذلك:  كان المعتقد الغيبي، وقد أحكم رسمه بتفاصيل في غاية التحديد والتعقيد، قد أفرغ كقالب فولاذي على العقل الأوروبي اليافع إبان الفية العصر الوسيط. داخل هذا القالب ظلت الفلسفة الاسكولاستيكية تدور في حلقة مفرغة حول فرضيات ظنية لا قوام لها في المعرفة والمنطق العقلي.  كانت، لدعم تلك الفرضيات، قد حولت فلسفة أرسطو إلى لاهوت، وفلسفة أفلاطون إلى علم كلام.  بالنتيجة، أنتجت مفاهيم تراجعت أمام شططها الحكمة وانحسر إزاءها العلم.  كان هذا إلى أن كسر العقل الأروبي القالب الصلب وشب عن الطوق.  ثم ذهب يبحث بالمنهج العلمي عن  فهم جديد حول نفسه وبيئته الأرضية ومحيطه الكوني.  بذلك اجتازت أروبا عهدا هيمنت عليه الظنية إلى عهد اعتمد المعرفة المحققة بسببية وبرهان.  بذلك فُتح بالعلم باب دخل منه العالم هذا العصر الحديث.

 

(2) أدهى الأخطار المهددة للنظام الوطني والنظام العالمي معا في المستقبل المنظور سيأتي من التيارات المكرسة للهوية الدينية: تلك التي تروج الانتماء الديني كمعرف أول وأساس للإنسان. نجاح هذه التيارات من شأنه تطبيع التطرف الديني كنموذج مقبول، بل كنموذج مفضل للتدين. فإذا استقوت هذه التيارات في مختلف الأديان، مغذية بعضها بعضا ضمن حلقة مفرغة من أفعال وردود أفعال، فستفرز مجتمعة عصبيات من شأنها دفع العالم لصراعات دينية يعم فيها منطق العداء المتبادل ويستحكم. أما التعايش الديني فإنه يحصل بقدر ما ينحسر تأثير الأديان على الناس. 

 

المستغرب إزاء هذا، أنه وسط كل ما يواجه الناس في أوطانهم وعبر العالم من مشاكل ومشاق العيش هي منطقيا أولى أن تستأثر باهتمامهم وأن تدفعهم للتعاون، ترى جماعات متكاثرة في مختلف الأديان تعيش تعصبا يجعلها تؤثر استمرار الصراع الديني على التعاون الإنساني، وتؤثر تصعيب العيش وتأزيمه على تيسيره وتلطيفه.     

 

(3) الأمم لا تستوعب إلا الأشياء التي صاغتها  بنفسها، أو تلك التي اقبستها ابتداء من غيرها، ثم استوعبتها في خبرتها، ثم اخرجتها مصوغة وفق نسقها الثقافي.  أما الأمم التي تستورد أشياء لا تعمل على استيعابها في خبرتها،  وأيضا لا تستطيع الاستغناء عنها،  فإنها تزداد اعتمادا على الأمم المصدرة تلك الأشياء.  بذلك تنشأ تبعية مستديمة: تبعية المستهلك للمنتج.  بمعنى آخر، الأمم التي تتخلف لا تملك إلا أن تتبع الأمم التي تتقدم.  في جوهر الأمر، لا يهم أي موقع  تحتله أمة ما في وقت ما بقدر ما يهم وجهة وحيوية حركتها من الموقع الذي هي عليه: هل هي تتقدم إلى الأمام أم هي تتراجع إلى الوراء.

 

(4) الأمم، كما الأفراد، تنمو تدريجيا وأخيرا تموت. في أيما عصر بعض الأمم في صعود وبعضها في هبوط.  في زمن كوني قصير تتغير مكونات الأمم وتتبدل أدوارها في صنع الخبرة البشرية. الأمم في ذلك كعدائين في سباق:  كلما تراخت أمة سلمت المشعل لأمة ناهضة. هكذا يتواصل سير البشرية، وهكذا تتعاقب  أدوار الأمم في المسير.

 

 (5)  أقول هذا مدركا صعوبة تصور حصول هذا في مستقبل منظور.  لكنني، من جانب آخر، استصعب تصور أن يكون التراجع الراهن في حال الأمة العربية تراجعا مستديما مؤديا إلى إنهاء دورها الحضاري بين الأمم.  إننا نشهد اليوم كيف أن حضارتين شرقيتين - الصين والهند – بعد سبات مزمن، ومن بعد تخلف وامتهان،  قد أفاقتا لتأخذ كل منهما  مكانة رائدة بين الأمم.  لكل منهما تبقى شخصيتها، ثقافتها، وخصوصيتها التاريخية.  لكن كلاهما في  تفعيلها المجدد لإمكاناتها الذاتية، ما عادت تستنبط الموروث، بل أخذت تفكر وتعمل وتنظم وتصنع بمعارف هذا العصر.  من هنا دعوتي لتغيير في الوضع العربي من نوع  يمكن من مثل هذا النهوض.  من هنا أيضا تعلقي  بأمل أن يبقى في الأمة  طموح حضاري، وأن يتهيأ لها، على يد هذا الجيل، أو جيل قادم، تحقيق هذا الطموح.     

------------------------

* كاتب وسفير عربي سابق

** محاضرة القيت في ندوة "مركز الحوار العربي" بمنطقة واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة - الأربعاء 2 /11/ 2005

 

 

تتأكد أهمية تجربة "مركز الحوار" وفوائدها العديدة من خلال تشجيع أسلوب الحوار بين العرب من جهة وبين العرب والمجتمع الأميركي من جهة أخرى، وذلك عبر أنشطة (باللغتين العربية والإنجليزية)  ومطبوعات دورية ونشرات ألكترونية على الإنترنت، إضافة إلى ندوات أسبوعية بلغ عددها  600 ندوة حتى منتصف العام 2005 (منذ تأسيس المركز في العام 1994)، شملت ميادين الفكر والثقافة والسياسة والاقتصاد والعلاقات العربية الأميركية.

لمزيد من المعلومات عن "مركز الحوار العربي" في واشنطن:

http://www.alhewar.com

AL-HEWAR CENTER

Mailing Address: P.O. Box 2104, Vienna, Virginia 22180 - U.S.A.

Telephone:  (703) 281-6277  Fax: (703) 437-6419

E-mail: alhewar@alhewar.com