سيدة الصحافة الأمريكية في مركز الحوار:

هيلين توماس: لو نجح الرئيس بوش سيشهد العالم حروبا متواصلة

 

 قديما قالوا الكتاب يعرف من عنوانه فما بالنا بشخصية صحفية فذة عاصرت الرؤساء الأمريكيين داخل البيت الأبيض من الرئيس جون كنيدي إلى الرئيس الحالي جورج بوش الابن? لذلك استضاف مركز الحوار العربي في منطقة واشنطن الصحفية العربية الأمريكية هيلين توماس التي تبلغ من العمر الآن أربعة وثمانين عاما والتي اشتهرت باسم سيدة الصحافة الأولى وعرفها الرؤساء الأمريكيون بالاسم كمراسلة لوكالة يونايتد برس إنترناشيونال في البيت الأبيض على مدى سبعة وخمسين عاما وأصبحت عميدة المراسلين الصحفيين في البيت الأبيض، وكان كل رئيس أمريكي يمنحها الفرصة لتسأل أول سؤال في مؤتمره الصحفي وكان عادة أعمق وأجرأ سؤال خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا العربية، وكانت تختتم كل مؤتمر بقولها: شكرا سيادة الرئيس. قدّمها للحاضرين في مركز الحوار الذين تابعوا ندوتها جالسين وواقفين من شدّة الإقبال، المحامي العربي الأمريكي ألبرت مخيبر الناشط في الدفاع عن الحقوق المدنية للعرب الأمريكيين وقال إنها فخر لكل العرب الأمريكيين ومصدر اعتزاز لكل الأمريكيين لأنها كانت عبر مشوارها الطويل في البيت الأبيض تسأل عن كل القضايا الخارجية منها والمحلية.

 

استهلّت السيدة هيلين توماس ندوتها بالإعراب عن اعتقادها بأنه منذ هجمات سبتمبر الإرهابية قبل ثلاثة أعوام أصبح الرئيس بوش ينظر إلى كل من يعترض على سياساته وخاصة في العراق وفي الشرق الأوسط عموما على أنّه يقف مع الإرهابيين، وإذا كان المعارض أمريكيا فأنه يوصف بعدم الوطنية، وقالت إن ذلك المنطق العجيب سرعان ما أفقد أمريكا احترامها وهيبتها في العالم وبدّد صورة القيم الديمقراطية للولايات المتحدة. ومن خلال عملها كصحفية مرموقة لاحظت السيدة هيلين توماس أن تلك النظرة ألقت بظلالها على الصحافة ووسائل الإعلام الأمريكية خلال السنوات التي قضاها الرئيس بوش في البيت الأبيض، فقد أصيب الصحفيون الأمريكيون بما أسمته نوعا من الغيبوبة وتخلوا عن دورهم التقليدي في ممارسة مهام السلطة الرابعة بتوقفهم عن طرح الأسئلة العميقة والجريئة على المسؤولين في الخارجية والدفاع والبيت الأبيض، وقالت إن العدوى سرعان ما انتقلت حتى إلى وزير الخارجية الأمريكية كولن باول الذي سمح للرئيس بوش باستغلال ما عرف عنه من صدق وما اتسم به في السابق من مصداقية ليضلّل الشعب الأمريكي من خلال تبريره لشنّ الحرب على العراق خاصة خطابه المشهور أمام الأمم المتحدة.

وقالت سيدة الصحافة الأولى في الولايات المتحدة إن الصحف الأمريكية الكبرى وعلى رأسها نيويورك تايمز وواشنطن بوست سمحت لأشخاص مثل الدكتور احمد الجلبي باستخدامها لتمرير دفعه باتجاه الحرب على العراق، ولم تسمح للصحفيين بالتشكيك فيما حاول الرئيس بوش تصويره على أنه أدلة دامغة على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، أو أنها تشكل خطرا محدقا بالأمن القومي الأمريكي أو أن للنظام العراقي السابق علاقة بتنظيم القاعدة. بل ساهم الإعلام الأمريكي في ظل اتهام بوش لكل من يعترض بعدم الوطنية في الترويج للحرب ودق طبولها يوما بعد يوم، وأغمض الجميع عيونهم عما ستلحقه تلك الحرب بالعراق من دمار وقتل ومعاناة لشعبه. وصوّر الإعلام الأمريكي للشعب أن العراقيين سيستقبلون الغزاة بالورود والرياحين ويقبّلون الأرض التي وطأها الجنود الأمريكيون، وفوجئ الشعب الأمريكي بأن العراقيين كانوا ولا زالوا مستعدين للمقاومة دفاعا عن أرض وطنهم ولكن الصحافة الأمريكية تبارت في إطلاق الأوصاف عليهم مثل "المتمردين والإرهابيين والأعداء". ونسي الصحفيون الأمريكيون أن المقاومة الأوروبية للغزو النازي كانت تحظى بآيات التكريم وأوصاف البطولة والفداء. وأشارت السيدة توماس هيلين كذلك إلى إلصاق الإعلام الأمريكي في سنوات بوش أوصاف القتلة والإرهابيين على المقاومة الفلسطينية وعدم نشر صور ضحايا البطش الإسرائيلي بالأطفال والشيوخ والنساء في فلسطين ولا صور ضحايا القصف الأمريكي من المدنيين العراقيين. 

 

وأشارت السيدة هيلين توماس إلى أنه فيما سمح الإعلام الأمريكي لنفسه في سنوات ما بعد هجمات سبتمبر بالدخول في تلك الغيبوبة ومارست مستشارة الأمن القومي الأمريكي الدكتورة كونداليزا رايس ضغوطها على شبكات التليفزيون الأمريكية، ذهب وزير الخارجية الأمريكية كولن باول إلى قطر ليطلب وقف ما تبثه قناة الجزيرة على الهواء من مواد تثير الرأي العام العربي ضد الولايات المتحدة، ونسي المسؤولون الأمريكيون في عهد الرئيس بوش أن التعديل الأول للدستور الأمريكي يكفل حرية الصحافة وحق التعبير، وكذلك تناسوا الدور الذي حدده الدستور الأمريكي للصحافة في كشف الحقيقة التي يجب أن تسود فمنعوا تغطية الصحافة الأمريكية لوصول أكفان الجنود الأمريكيين حين عودتها من العراق إلى قاعدة دوفر الجوية. ولكن التعتيم الإعلامي الأمريكي  لم يمنع الحقيقة من أن تطفو على السطح خاصة حول ما حدث في سجن أبو غريب في العراق بسبب إيمان جندي أمريكي يخدم هناك أتى من ولاية بنسلفانيا، بأن الإساءة التي لحقت بالسجناء العراقيين في ذلك السجن تتناقض مع كل القيم الأمريكية فكشف النقاب عن تلك الصور البشعة التي ادّعى وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد أنها أصابته بالصدمة وأخفى حقيقة أن تقريرا من الجنرال تاجوبا إلى مكتب رامسفلد حول هذه الانتهاكات كان على مكتب رامسفلد منذ يناير/كانون الثاني الماضي وحتى تمّ الكشف عنها أمام العالم في أبريل/نيسان. ووصفت السيدة هيلين توماس حكومة الرئيس بوش بأنها من أكثر الإدارات الأمريكية كتمانا للحقائق وإحاطة كل شئ بإطار كثيف من السرية، بل أن حكومة بوش تضع تحويراتها الخاصة حول كل تطور أو خبر وتتعاون وسائل الإعلام الأمريكية مع وجهات نظر حكومة بوش.

 

ونبّهت السيدة هيلين توماس إلى أن البيت الأبيض شهد في فترات رئاسية متلاحقة فرصا عديدة أمام الصحفيين الأمريكيين لطرح أجرأ الأسئلة على رئيس الولايات المتحدة، وبدون هذه الأسئلة يمكن أن يتصرف الرئيس الأمريكي كأيّ ملك أو دكتاتور، ولكن الرئيس بوش حرص على تقليل تلك الفرصة فلم يعقد منذ توليه السلطة في عام  2000 إلا ثلاثة عشر مؤتمرا صحفيا في البيت الأبيض، وهو عدد ضئيل للغاية، وكان آخر تلك المؤتمرات في يونيو/حزيران الماضي رغم سيل التطورات التي حدثت منذ ذلك الحين بينما كان الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت يعقد مؤتمرين صحفيين في البيت الأبيض كل أسبوع حتى في ذروة الحرب العالمية الثانية. وقالت إنها منعت من طرح الأسئلة على الرئيس بوش بعد أن سألته لماذا لم يحترم الفصل بين الدين والدولة بإنشاء مكتب ديني في البيت الأبيض؟.

 

وأعربت سيدة الصحافة الأولى عن اعتقادها بأن القنوات الفضائية العربية والإعلام العربي تفوّق على الإعلام الأمريكي في كشف الحقائق من خلال تغطيات مباشرة للأحداث من مواقعها.

 

ماذا سيحدث إذا نجح بوش؟

ومن خلال متابعتها اليومية للرئيس بوش الذي قدّم نفسه للشعب على أنه سيعيد القيم المحافظة والرحمة إلى الساحة السياسية الأمريكية قالت هيلين توماس:

"الرئيس بوش رجل محافظ ولكنني لم ألحظ بعد تلك الرحمة"، ولذلك فلو أعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية فإن العالم سيدخل مرحلة حروب أبدية مستديمة في القرن الحادي والعشرين وستتكرر بذلك أهوال القرن الماضي. وتتوقع أنه سيعيد العمل بقانون الخدمة العسكرية في أمريكا وسيفكك نظام الضمان الاجتماعي وسيعمل على تقليص حقوق العمال والموظفين ونقل فرص العمل إلى العمالة الأرخص في الخارج ليحقق أغنى أثرياء امريكا المزيد من الثراء والذين سيحظون في ظله بأكبر التخفيضات الضرائبية. وقالت إن حصيلة سنوات بوش في البيت الأبيض تتلخص في أن الولايات المتحدة خسرت من خلال سياساته معظم أصدقائها وحلفائها في العالم، وعلى الصعيد الداخلي زاد الفقراء فقرا وزاد الأغنياء ثراء. وقارنت مبدأ بوش للحروب الاستباقية بمقولة الرئيس الراحل جون كينيدي عقب أزمة الصواريخ في كوبا في عام 1962 "أمريكا لن تبدأ أبدا بشنّ حرب، فالولايات المتحدة تريد عالما يمكن أن ينعم فيه الضعيف بالأمن ويتسم فيه القوي بالعدل"، وقالت إن مفكري أمريكا الأوائل كانوا يؤمنون بأن أمريكا عظيمة لأنها طيبة وعندما تتخلى عن تلك الصفة فلن تصبح عظيمة، ولذلك فإنها ترى أن بوسع الولايات المتحدة أن تغيّر مشاعر العداء لها في الخارج إذا اتبعت سياسة تعطي من خلالها الفرصة للسلام بدلا من الحرب.

 

وردا على سؤال حول رأيها في محاولة حكومة الرئيس بوش كسب قلوب وعقول العرب من خلال راديو سوا وقناة الحرة باللغة العربية في مواجهة التزايد في المشاعر المعادية للولايات المتحدة في العالم العربي، قالت سيدة الصحافة الأولى:

"لقد تفادت إدارة الرئيس بوش الحقيقة وفعلت كل ما من شأنه الحيلولة دون معرفة أسباب الإرهاب ومواصلة ترديد مقولة لماذا يكرهوننا؟ والحقيقة هي أن سبب الظاهرتين هو السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وبطبيعة الحال لن يرضى المحافظون الجدد الذين تغلغلوا في حكومة بوش أن تغيّر الولايات المتحدة السياسة التي رسموها والتي تقوم على الهيمنة على الشرق الأوسط ولذلك لن تتمكن الولايات المتحدة من حل مشكلتي الإرهاب والمشاعر المعادية لها في العالم العربي طالما واصلت غضّ الطرف عن أسبابهما وواصلت محاولة فرض الديمقراطية على دول الشرق الأوسط انطلاقا من غزو العراق".  ودعت الحاضرين في مركز الحوار إلى قراءة استراتيجية المحافظين الجدد إزاء الشرق الأوسط والتي لم يخفوها بل ضمّنوها في وثيقة تعرف باسم" مشروع القرن الأمريكي الجديد" والذي يستند إلى منطق يقول: بما أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر قوة عسكرية في العالم فإنه ليس بوسع أحد أن يتحداها ولذلك يجب فرض السلام عن طريق القوة بدءا من العراق، وفرض الهيمنة على الشرق الأوسط باحتواء سوريا وإيران، وعدم تقديم تنازلات للعرب في أي عملية سلام حيث يجب أن يتم مقايضة السلام بالسلام وليس بالأرض ثم تحويل دول المنطقة كلها إلى نظم حكم ديمقراطية. ولفتت الانتباه إلى علاقات التحالف المتزايدة بين اليمين المسيحي الأمريكي وحزب الليكود الإسرائيلي وزيادة تأثير اليمين المسيحي على البيت الأبيض، وعلّقت هيلين توماس ضاحكة على خبر محاولة الإسرائيليين التجسس على الولايات المتحدة فقالت "إنهم موجودون هنا في كل مكان ولا حاجة بهم للقيام بأعمال التجسس!"

 

تقرير من إعداد: م. ش.- واشنطن

 

تتأكد أهمية تجربة "مركز الحوار" وفوائدها العديدة من خلال تشجيع أسلوب الحوار بين العرب من جهة وبين العرب والمجتمع الأميركي من جهة أخرى، وذلك عبر أنشطة (باللغتين العربية والإنجليزية)  تشمل مطبوعات دورية وموقعاً هاماً على الإنترنت، إضافة إلى ندوات أسبوعية بلغ عددها  566 ندوة حتى منتصف العام 2004 (منذ تأسيس المركز في العام 1994)، شملت ميادين الفكر والثقافة والسياسة والعلاقات العربية الأميركية.

لمزيد من المعلومات عن "مركز الحوار العربي" في واشنطن:

http://www.alhewar.com

AL-HEWAR CENTER

Mailing Address: P.O. Box 2104, Vienna, Virginia 22180 - U.S.A.

Telephone:  (703) 281-6277  Fax: (703) 437-6419

E-mail: alhewar@alhewar.com