مركز الحوار يناقش مواقف سوريا ممَّا يجري حولها:

السفير عماد مصطفى: تفتيت العراق سيلحق الضرر بالمنطقة كلّها

 

السفير السوري في واشنطن الدكتور عماد مصطفى استجاب لدعوة مركز الحوار العربي لشرح موقف بلاده ممّا يجري حولها، وما يدور في أذهان أنصار إسرائيل في الكونجرس الأمريكي، وما يضمره بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية لسوريا والذي عكسته أحدث تصريحات لوكيل وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد آرميتاج حين قال "يبدو أن سوريا لم تتعلم أيّ درس مما حدث في العراق"، فقال السفير السوري إن بلاده تعلمت دروسا كثيرة من رصد ما حدث في العراق، ومنها أنه مهما بلغت قوة وعظمة أيّة دولة ومهما أنفقت من أموال طائلة فلن تستطيع أن تفرض خططها وهيمنتها ومنظورها على أيّة دولة في العالم مهما كانت صغيرة ومهما تردَّت بنيتها التحتية ومهما بلغت معاناة شعب تلك الدولة الصغيرة من دكتاتورية مثل نظام حكم صدام حسين. وأعرب عن أمله في أن تكون الولايات المتحدة قد تعلمت أيضاً ذلك الدرس ممّا حدث ويحدث في العراق.

 

وحدّد السفير السوري ثلاثة أهداف استراتيجية لبلاده في العراق:

أولا: الحفاظ على وحدة العراق الإقليمية، حيث ترى سوريا أن تفكّك العراق وانهياره إلى   كانتونات سيسفر عن نتائج وخيمة ليس بالنسبة للعراق فحسب وإنّما بالنسبة للمنطقة بأكملها ولذلك تخشى سوريا أن يكون ذلك هو الهدف الحقيقي من كلِّ ما حدث في العراق.

 

ثانيا:   استعادة السيادة الكاملة للعراق بأقصى سرعة، إذ تشعر سوريا بقلق شديد إزاء الوجود العسكري الضخم في الأراضي العراقية رغم تواجد قوات أمريكية أخرى في دول عربية عديدة مجاورة انطلقت القوات الأمريكية منها لغزو العراق، ولكن ما يقلق سوريا بشكل أكبر هو هل سيستعيد العراق سيادته أم لا، ولذلك تتّخذ سوريا موقفا تكتيكيا يتمثل في أنها عرضت على  رئيس الحكومة العراقية المؤقتة إياد علاوي الدعم السوري من أجل استعادة العراق لسيادته وتخلّصه من قوات الاحتلال، ولكن الدكتور علاوي يعتقد أن العراق استعاد سيادته بالفعل وأن القوات الموجودة في العراق ليست قوات احتلال وإنّما قوات متعددة الجنسيات!

وقال السفير السوري إن ما يحدث في العراق له انعكاسات كبيرة في سوريا، فمثلا عدد العراقيين الذين لا يزالون يعيشون في سوريا بسبب تردّي الأوضاع في العراق وصل إلى 350 ألف عراقي، كما أن سوريا أصبحت ملاذا للمسيحيين العراقيين الذين يخشون ممّا سيحمل لهم مستقبل العراق من هموم  كأقلّية، واحتمال إفراغ العراق من المسيحيين ممّا سيسفر عن فقدان تراث من التسامح يعود تاريخه إلى أكثر من ألفي عام.

 

ثالثا: استقرار وأمن العراق، حيث تدرك سوريا تماما بلا لبس ولا غموض الفارق بين المقاومة الوطنية للاحتلال وبين الأعمال التي تستهدف إثارة الرعب والفزع في العراق التي لا يقتصر أذاها على الشعب العراقي فحسب وإنما ستلحق أبلغ الضرر بهدف المحافظة على وحدة وسلامة التراب العراقي كدولة إقليمية موحدة. لذلك ترى سوريا أنه إذا استمرت حالة الانفلات الأمني المرعبة في العراق والموجّهة ضد أبناء العراق وطوائفه فسيؤدي إلى عدم استعادة العراق لسيادته واحتمال انهيار وحدة العراق وتفككه.

 

وقال الدكتور عماد مصطفى في ندوته بمركز الحوار العربي في منطقة واشنطن إن مشكلة الإدارة الأمريكية مع سوريا أن هناك انقساما في صفوف الإدارة إزاء أسلوب التعامل مع سوريا، فبينما يرى فريق أن من مصلحة الولايات المتحدة تهدئة الأوضاع داخل العراق وأنه من المفيد التفاهم والحوار مع سوريا إزاء الدور الذي يمكنها القيام به في هذا المجال، يرى الفريق الآخر وهو الأقوى داخل الإدارة الأمريكية الحالية أن مجرّد قيام سوريا بأي تحرك إيجابي مع الولايات المتحدة يلحق الضرر باستراتيجياتهم الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط بأكملها والتي تتضمن تقليص نفوذ ودور سوريا في المنطقة تنفيذا لوثيقة شهيرة تسمى Clean Break صاغتها سنة 1996 مجموعة من المحافظين الجدد الذين أصبح لهم النفوذ الواسع داخل الإدارة الحالية. وترمي الوثيقة أيضاً إلى إلغاء اتفاقات أوسلو لأنها تنطوي على قبول إسرائيلي بتوقيع اتفاقية سلام مع الفلسطينيين وإلى ضرورة فرض سلام يستند إلى القوة على دول المنطقة حماية لأمن إسرائيل، إضافة للإطاحة بنظام صدام حسين والسيطرة على العراق واستخدامه كنقطة انطلاق لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وكذلك تقليص دور سوريا في المنطقة بدءاً بلبنان.

ومع ذلك أكّد السفير السوري أن قنوات الاتصال مفتوحة بينه وبين كبار المسؤولين الأمريكيين وكذلك بين السفيرة الأمريكية في دمشق وكبار المسؤولين في الحكومة السورية، كما سيتوجه السفير إدوارد جيريجيان مدير معهد بيكر للسياسة العامة إلى دمشق قريبا للإعداد لدورة جديدة من الحوار غير الرسمي بين الولايات المتحدة وسوريا والذي يحاول التوصل إلى  نقاط التقاء مشتركة.

وردّاً على سؤال عمّا إذا كان التردي في العلاقات العربية الأمريكية والذي كان نصيب سوريا منه كبيرا قد دخل مرحلة قريبة ممّا يوصف بصراع الحضارات، قال السفير عماد مصطفى: "مع احترامي الكامل لمكانة صامويل هانتجتون الأكاديمية فأنا لا أومن بنظرية صراع الحضارات التي طرحها قبل عدة سنوات، فالقضية أكثر تعقيدا وتشمل حتى صراعات بين قوى مهمة داخل كل حضارة، كما أن كلّ الحضارات أخذت من بعضها البعض فالحضارة الإسلامية والعربية أخذت من تراث حضارات سابقة ومسارات متعددة، كما أن حضارة الغرب اليوم وإن اتسمت بطابع غربي مسيحي فإنها أخذت مقومات من حضارات أخرى، ويرفض كثير من مفكري ومنظري الغرب نظرية هانتجتون، وبالتالي فإن أيَّ تردّي في العلاقات بين الغرب والولايات المتحدة من جهة وبين العرب والعالم الإسلامي من جهة أخرى يجب ألا يتمّ تفسيره بمنطق صراع الحضارات أو الإسلام والغرب ".

 

وفيما يتعلق بقانون محاسبة سوريا الذي مرّره أنصار إسرائيل في الكونجرس كوسيلة للضغط على سوريا قال السفير السوري إنه يدور حول المساس بثوابت سوريا الأساسية، كما أنه يتطرق إلى مشاكل سورية - إسرائيلية وليس إلى قضايا أمريكية - سورية ممّا يجعل من ذلك القانون صيغة تمّ تحريرها في تل أبيب وتمّ التصويت عليها في مبنى الكونجرس في واشنطن. ومع ذلك قال الدكتور عماد مصطفى إنه يجب عدم الاستخفاف بأضرار ذلك القانون وغيره من وسائل الضغط الأمريكية على سوريا مثل حظر التعامل مع المصرف التجاري السوري المسؤول عن فتح كلّ خطابات الاعتماد بالدولار والتي كان  يتمّ إقرارها في نيويورك واضطرت سوريا خلال الشهرين الماضيين إلى بيع جميع ودائع المصرف التجاري السوري بالدولار وتحويلها إلى العملة الأوروبية الموحدة اليورو  لتقليص أثر الضغط الأمريكي، ولكن الدكتور عماد مصطفى أقرّ بوجود تأثير نفسي سيئ على التعامل الاقتصادي الدولي مع سوريا نتيجة قانون محاسبة سوريا يتمثّل في شعور المستثمر الأجنبي بوجود مخاطر للاستثمار في سوريا من جراء تلك الضغوط.

 

وتطرّق السفير السوري في ندوته بمركز الحوار إلى موقف سوريا من المساومة على أراضيها في الجولان مقابل السلام مع إسرائيل، وقال إن مفاوضات شبردزتاون فشلت بسبب إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بشريط ضيق من الأرض يحول دون عودة سوريا إلى الوصول إلى بحيرة طبرية، وتصرّ سوريا على ضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو/حزيران عام 1967 ولم تفلح حيل المنسّق الأمريكي لعملية السلام دينيس روس في زحزحة سوريا عن موقفها. وقال الدكتور عماد مصطفي إن أنصار إسرائيل في الكونجرس من أمثال توم لانتوس لا يتحدثون إلا من منطلق المواقف الإسرائيلية، ففي آخر لقاء له مع لانتوس اتخذ موقف الإملاء حيث قال إنه يتعيّن على سوريا أن تنسحب فورا من لبنان وأن تنزع سلاح جماعة حزب الله، فقال السفير السوري له مازحا:" هل تريد من سوريا أولا أن تسحب قواتها من لبنان ثم تنزع أسلحة حزب الله؟ فقال النائب لانتوس عندك حق، قل لرئيسك لتبدأ أولا بنزع سلاح حزب الله ثم سنفكر في منح سوريا مهلة عام للانسحاب من لبنان؟"

 

تقرير من إعداد: م. ش.- واشنطن

 

تتأكد أهمية تجربة "مركز الحوار" وفوائدها العديدة من خلال تشجيع أسلوب الحوار بين العرب من جهة وبين العرب والمجتمع الأميركي من جهة أخرى، وذلك عبر أنشطة (باللغتين العربية والإنجليزية)  تشمل مطبوعات دورية وموقعاً هاماً على الإنترنت، إضافة إلى ندوات أسبوعية بلغ عددها  566 ندوة حتى منتصف العام 2004 (منذ تأسيس المركز في العام 1994)، شملت ميادين الفكر والثقافة والسياسة والعلاقات العربية الأميركية.

لمزيد من المعلومات عن "مركز الحوار العربي" في واشنطن:

http://www.alhewar.com

AL-HEWAR CENTER

Mailing Address: P.O. Box 2104, Vienna, Virginia 22180 - U.S.A.

Telephone:  (703) 281-6277  Fax: (703) 437-6419

E-mail: alhewar@alhewar.com