مركز الحوار يناقش العلاقات العربية الأمريكية :

 

د.عبد المنعم سعيد:

 

* هجمات سبتمبر أقنعت الأمريكيين بضرورة تغيير المنطقة العربية

* إذا نجح المرشح الديمقراطي جون كيري في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة فإنه سيكون قادرا على الاستفادة من الأخطاء التي وقعت فيها إدارة بوش في تعاملها مع العرب

 

مع تزايد إحساس العرب بالتهديد إزاء ما يرونه استهدافا من الولايات المتحدة للمنطقة العربية منذ هجمات سبتمبر الإرهابية عام 2001 في محاولة لتغيير القيم والأوضاع الثقافية والاقتصادية والسياسية في العالم العربي، نظّم مركز الحوار العربي في منطقة واشنطن ندوة لاستعراض أوضاع العلاقات العربية الأمريكية تحدث فيها الدكتور عبد المنعم سعيد، مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والباحث الزائر بمعهد بروكنجز في واشنطن، فقال إنّ هناك منظومة من التغييرات الهيكلية تعتري العلاقات العربية الأمريكية، من بينها:

 أولا: نزوع الولايات المتحدة إلى استخدام تعبير الشرق الأوسط عند الحديث عن المنطقة العربية والكفّ عن استخدام تعبير "العالم العربي".

ثانيا: محاولة خلق نوع من التطابق بين ما هو عربي وما هو مسلم كمفاهيم استراتيجية فيما يتعلق بالمصالح والتهديدات وإمكانيات العمل ودمج الدول العربية والإسلامية في شرق أوسط كبير يمتدّ من المغرب وحتى إندونيسيا.

ثالثا: اختراق الحدود بالتأثير الأمريكي في مجريات الأمور من داخل العالم العربي وليس من خارجه.

رابعا: تغيّر آليات التغيير الأمريكي المطلوب بحيث لم تعد الولايات المتحدة تستبعد اللجوء إلى استخدام القوة لتغيير النظم السياسية في العالم العربي.

 

      ونبّه الدكتور عبد المنعم سعيد إلى أنّ تورّط عدد من العرب المسلمين في هجمات سبتمبر الإرهابية قبل ثلاثة أعوام أحدث صدعا في العلاقات العربية مع النظام العالمي ووفّر الفرصة للحديث عمّا يُسمّى بصراع الحضارات، على الأقلّ في الخطاب السياسي المطروح من الطرفين العربي والأمريكي، واتّخذ ذلك عدة أشكال:

1-   التأثير السلبي على القضية الفلسطينية التي كانت جزءا هاما من منظومة العلاقات العربية الأمريكية، بحيث انهار التركيز الأمريكي على خلق نظام ينطوي على السلام والتعاون في المنطقة ليحلَّ محلّه تحوّل رئيسي في الموقف الأمريكي من المستوطنات وحقّ العودة من خلال خطاب الضمانات الذي سلمه بوش لشارون والسماح له بتجزئة المرحلة الأولى من خارطة الطريق إلى عدة مراحل أدت إلى تأجيل احتمالات تنفيذها من المستقبل المتوسط إلى المستقبل البعيد.

2-   تآكل العلاقات التقليدية بين الولايات المتحدة ومن يسمَّون بالمعتدلين العرب كالسعودية ومصر من خلال تعاون دام ربع قرن لتحقيق أهداف استراتيجية مشتركة هي تحقيق السلام وحماية أمن الخليج والحفاظ على استقرار المنطقة.

3-   احتدام المجابهة بين منظومة القيم لطرفي العلاقات العربية الأمريكية وخلق صور نمطية سلبية لدى كل طرف عن الطرف الآخر بحيث أصبحت نظرة الطرف الأمريكي إلى العرب متمثلة في أن العرب بدو يتّسمون بالشراسة ولا أمان لهم وبوسعهم الانحدار إلى مستويات وحشية كقطع الرقاب كما أن عقلية البازار تسيطر عليهم فيغرقون في المساومة على أشياء لا تستحق التفاوض كما أنهم منافقون يدّعون الفضيلة ولكنهم يقبلون على رقص البطون العارية، وهم أثرياء بترول ولكنهم لا يستخدمون ثرواتهم في تنمية بلادهم، وأن العرب يقبلون تبرير نسف الآخرين ولا يجدون غضاضة في اللجوء إلى الإرهاب،  كما أنهم رجعيون يعيشون على أمجاد الماضي. وعلى الطرف الآخر حدث تشويه لصورة أمريكا عند العرب الذين ينظرون الآن إلى الطرف الأمريكي على أنه يتعامل مع العالم بعقلية راعي البقر الذي لا يعبأ بالقانون ويسرف في استخدام القوة دون مبرّر، وأنه محكوم بنزعة استعمارية تجعل منه امتدادا لتاريخ طويل من النظام الاستعماري العالمي، كما ينظر العرب إلى الطرف الأمريكي على أنه رأسمالي مستغل يمتصّ دماء الفقراء والعمالة الرخيصة، وأن اليهود الأمريكيين مسيطرون على الاقتصاد والإعلام بل والقرار السياسي، وبالتالي لا يفسّر الطرف العربي أيَّ إجراء أمريكي إلا من خلال نظرية التآمر واستهداف العرب والمسلمين وأن الطرف الأمريكي يقوم بدور الصليبيين الجدد ولكنهم جبناء يهربون من الالتحام المباشر كما حدث في بيروت والصومال.

4-   تناقص الاعتماد المتبادل بين الطرفين العربي والأمريكي في مجالات التجارة والسياحة وكافّة أشكال التعاون الأخرى.

5-   انحسار التفكير الاستراتيجي المشترك بين الجانبين وتحوّله إلى مجالات محدودة تختلف بحسب سخونة الموقف من فلسطين إلى الإصلاح ثم إلى مكافحة الإرهاب بحيث لم يعد هناك تصوّر استراتيجي مشترك يجمع بين الولايات المتحدة  وأصدقائها التقليديين في العالم العربي.

 

ولخّص الدكتور عبد المنعم سعيد ما يتعيّن على الطرف العربي عمله للخروج من الأزمة الحالية في العلاقات العربية الأمريكية بقوله: "يجب أن يسعى العرب إلى الخروج من هذه الأزمة لأنّ استمرارها سيعني زيادة في التدهور الحضاري والأخلاقي في نظرة كل جانب إلى الجانب الآخر وإهدار المزيد من الفرص التي سنحت للتقريب بين مواقف الطرفين ممّا سيؤدي في نهاية المطاف إلى السماح للمتطرّفين بتوسيع نطاق الأزمة وتحويلها إلى صراع للحضارات ينطوي على تعميق الكراهية".  ويرى الخبير الاستراتيجي الدكتور عبد المنعم سعيد أن أفضل السبل الاستراتيجية للتعامل مع الأزمة الراهنة في العلاقات العربية الأمريكية هو الابتعاد عن التصعيد نحو المواجهة ومدّ يد التعاون لرأب الصدع الذي حدث، كما يجب على الطرف العربي كذلك أن يخرج من عملية التراجع الحالي إلى مبادرة للتعاون والتفاهم مبنيّة على توفير الحوافز للولايات المتحدة عن طريق إقناعها بأنّ كل خطوة تتخذها للتوصّل إلى حلٍّ عادل وشامل للمشكلة الفلسطينية ونهاية مبشّرة بالخير للشعب العراقي ستضيف مكاسب جديدة تكسبها المصالح الأمريكية في العالم العربي والعالم الإسلامي.

 

وردّا على سؤال عن السبب الرئيسي في تدهور العلاقات العربية الأمريكية وما إذا كان تغير الرئاسة بنجاح جون كيري من شأنه تحسين تلك العلاقات، قال الدكتور عبد المنعم سعيد إنّ أحداث سبتمبر أجبرت الولايات المتحدة إلى التوصّل إلى قناعة بأن الأوضاع السائدة في المنطقة العربية أصبحت تشكل سبباً لخطر الإرهاب الذي طال الأرض الأمريكية، وأنه لذلك يتعين إجراء تغييرات أساسية في منظومة الأوضاع القائمة فيها، وبالتالي فلن يغيّر من ذلك التوجه وصول السيناتور جون كيري إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. وأعرب الدكتور عبد المنعم سعيد عن أمله في أنه إذا نجح المرشح الديمقراطي جون كيري في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة فإنه سيكون قادرا على الاستفادة من الأخطاء التي وقعت فيها إدارة بوش في تعاملها مع العالم العربي وأن يكون أحرص على التعاون مع الأطراف العربية الصديقة للولايات المتحدة، وبالتالي فكلّ ما يمكن أن يتغيّر إذا وصل جون كيري إلى سدَّة الرئاسة ربّما يكون اختلاف طريقة التعامل مع كيفية إدخال تلك التعديلات على الأوضاع القائمة في العالم العربي في إطار الجهود الأمريكية للتعامل مع خطر الإرهاب. وخلص الدكتور عبد المنعم سعيد إلى أن المشكلة الرئيسية حاليا في العلاقات العربية الأمريكية تتلخّص من وجهة النظر العربية في أسلوب تعامل الإدارة الأمريكية مع كلٍّ من المشكلة الفلسطينية والوضع في العراق، ولذلك فإن الولايات المتحدة لن تتمكّن من كسب عقول وقلوب العرب لا بإذاعة "سوا" باللغة العربية ولا بقناة "الحرَّة" الفضائية الموجّهة من الولايات المتحدة والتي لا تجتذب المشاهد العربي أكثر من خمس دقائق ممّا يجعل المحاولتين إهدارا للأموال الأمريكية المنفقة عليهما. وقال إن بوسع العرب الأمريكيين أن يقوموا بدور هام في التقليل من حجم عملية الشيطنة للأمريكيين في العالم العربي وأن يكونوا جسرا للتفاهم بين العرب والولايات المتحدة من خلال تعريف العالم العربي بالتعقيد الذي ينطوي عليه النظام السياسي الأمريكي ودور مراكز الفكر ومعاهد الأبحاث وجماعات الضغط السياسي في التأثير على عملية صنع القرار، ويمكن للعرب الأمريكيين أن يسهموا في تغيير طريقة التفكير التآمري أو العاطفي أو الأيديولوجي التي ينخرط العرب فيها عند تفسير المواقف الأمريكية.

(تقرير من إعداد: م. ش.- واشنطن)

 

تتأكد أهمية تجربة "مركز الحوار" وفوائدها العديدة من خلال تشجيع أسلوب الحوار بين العرب من جهة وبين العرب والمجتمع الأميركي من جهة أخرى، وذلك عبر أنشطة (باللغتين العربية والإنجليزية)  تشمل مطبوعات دورية وموقعاً هاماً على الإنترنت، إضافة إلى ندوات أسبوعية بلغ عددها  566 ندوة حتى منتصف العام 2004 (منذ تأسيس المركز في العام 1994)، شملت ميادين الفكر والثقافة والسياسة والعلاقات العربية الأميركية.

لمزيد من المعلومات عن "مركز الحوار العربي" في واشنطن:

http://www.alhewar.com

AL-HEWAR CENTER

Mailing Address: P.O. Box 2104, Vienna, Virginia 22180 - U.S.A.

Telephone:  (703) 281-6277  Fax: (703) 437-6419

E-mail: alhewar@alhewar.com